القطف المستطاب
من سيرة سيدي إبن الخطاب
(3)
جمع وإعداد وترتيب مصطفى دارنتود
إستخلاف الفاروق
لما اشتد المرض بأبي بكر جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميت لما بي وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي، وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم فأمروا عليكم من أحببتم فإنكم إن أمرتم في حياتي كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي. وتشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.
دعا أبو بكر الصديق رضي الله عنه عثمان بن عفان وعبد الرحمن إن عوف وأسيد بن حضير وطلحة بن عبيد الله وإستشارهم في إستخلاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
عثمان بن عفان قال: أنت أخبر به؛ فقال أبو بكر: على ذلك يا أبا عبد الله؛ فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله. فقال أبو بكر: يرحمك الله، والله لو تركته ما عدتك.
عبد الرحمن بن عوف قال: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني؛ فقال أبو بكر: وإن؛ فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه.
أسيد بن حضير قال له: اللهم أعلمه الخيرة بعدك يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسِر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
طلحة بن عبيد الله خاف من شدة عمر فقال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟؛ فقال أبو بكر: أبالله تخوفونني؟، خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول اللهم استخلفت عليهم خير أهلك. ثم بين لهم الصديق سبب غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه.
كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه عهداً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي، وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب {وسيعْلمُ الّذِين ظلمُوا أيّ مُنقلبٍ ينقلِبُون(227)} (سورة الشعراء).
الصديق يهدد الفاروق بالسيف لقبول الخلافة
دخل عمر على أبي بكر فعرفه بما عزم فأبى أن يقبل، فتهدده أبو بكر بالسيف فما كان أمام عمر إلا أن يقبل. وأراد الصديق أن يبلغ الناس بلسانه واعياً مدركاً حتى لا يحصل أي لبس فأشرف على الناس وقال لهم: أترضون بمن استخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا.
وأخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة، قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: أيها الناس، إني قد عهدت عهداً، أفترضون به؟ فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله، فقام علي فقال: لا نرضى إلا أن يكون عمر، قال: فإنه عمر.
وجــاء الفــاروق
عمر بن حنتمة وما أدراك ما عمر؛ كم مرة أصابني الغثيان وأنا أسمع البعض يشبه البعض بالفاروق.
ولأن سيدي الفاروق هو القدوة من هنا إلى يوم القيامة فلا بأس لمن أراد من الحالمين التشبه بالفاروق رغم إستحالة هذا إستحاله مرور الجمل من سم الخياط؛ وربما يكون عذر الحالمون بذلك يعود لقلة معرفتهم بفضائله التي لا يستطيع جبريل حصرها في ألف عام إلا خمسين.
خطبة الفاروق لما تولى الخلافة
اختلف الرواة في أول خطبة خطبها الفاروق عمر وقد يكون هذا بسبب أن كل واحد منهم إهتم بجزء منه فأستوعبه.
ومما يروى عنه أنه لما ولي الخلافة صعد المنبر وهمّ أن يجلس مكان أبي بكر، فقال: ما كان الله ليراني أرى نفسي أهلاً لمجلس أبي بكر. فنزل مرقاة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اقرؤوا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزيّنوا للعرض الأكبر يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، إنه لم يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله إلا وإني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم؛ إن استغنيت عففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.
وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني.
وروي البعض إن أول خطبة كانت قوله: إن الله ابتلاكم بي وابتلاني بكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فآلو فيه عن أهل الجزء - يعني الكفاية- والأمانة، والله لئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلنّ بهم.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي، وخلفت فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا، ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة، ومن يحسن نزده حسناً، ومن يسيء نعاقبه، ويغفر الله لنا ولكم.
وقال من شهد خطبته ورواها عنه: فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا.
أبو العيال
وفي رواية أخرى أنه بعد يومين من استخلافه تحدث الناس فيما كانوا يخافون من شدته، وبطشه، وأدرك عمر أنه لابد من تجليه الأمر بنفسه، فصعد المنبر وخطبهم فذكر بعض شأنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وخليفته، وكيف أنهما توفيا وهما عنه راضيان، ثم قال: ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي ولست أدع أحداً يظلم أحداً أو يتعدى عليه حتى أضع خدّه على الأرض، وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق. وإني بعد شدتي تلك أضع خدي لأهل العفاف وأهل الكفاف، ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها؛ لكم علي أن لا أجتبي شيئاً من خراجكم، ولا مما أفاء الله عليكم إلا في وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم عليّ أن أزيد عطاياكم وأرزاقكم إن شاء الله تعالى وأسُدّ ثغوركم، ولكم عليّ ألا ألقيكم في المهالك ولا أجمّركم في ثغوركم، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا إليهم، فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
السلام عليك يا أمير المؤمنين
عن ابن شهاب: أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سأل أبا بكر إبن سليمان بن أبي خيثمة فقال: كان أبو بكر رضي الله عنه يكتب من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان عمر رضي الله عنه يكتب بعده من عمر بن الخطاب خليفة أبي بكر فمن أول من كتب أمير المؤمنين؟، فقال: حدثتني جدتي الشفاء، وكانت من المهاجرات الأول، وكان عمر إذا دخل السوق دخل عليها قالت: أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله، وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول الله حتى كتب عمر بن الخطاب إلى عامل بالعراق. أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه العراقيين لبيد بن ربيعة، وعدي إبن حاتم، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدأ لك في هذا الاسم يا إبن العاص؟، لتخرجن مما قلت، قال: قدم لبيد إبن ربيعة وعدي بن حاتم فقالا: استأذن لنا على أمير المؤمنين فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه، إنه أمير ونحن المؤمنون، فجرى الكتاب من ذلك اليوم.
قرن من حديد
أخرج الطبراني عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرناً من حديد، قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة، قال: ثم مه؟ قال: ثم يكون البلاء.
شدة لا جبرية فيها ولين لا وهن فيه
أخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، وباللين الذي لا وهن فيه.
لا تمت علينا ديننا
نظر عمر إلى رجل مظهر للنسك متماوت في صلاته فخفقه بالدرة وقال: لا تمت علينا ديننا أماتك الله.
قال الفاروق: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك
أخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم. فقال قائل: يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً، قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس، فيأخذ من هذا ويعطي هذا؛ فسكت عمر.
دعوة الفاروق للتربية والتعليم
قال سيدي الفاروق: علموا أولادكم الكتابة والسباحة والرمي والفروسية، ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً، ورووهم ما سار من المثل وحسن الشعر.
دعوة الفاروق للعمل
قال سيدي الفاروق: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني فإن السماء لا تمطر ذهباً وفضة ولكن الله يرزق الناس بعضهم من بعض.
شدة خوف الفاروق من الله
الفاروق وآيات الله
قال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياماً.
وقال ابن عمر: ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد.
وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال: خير الناس، إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم، فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
هل لك على هذا صبر؟
كان رضي الله عنه يقول: أكثروا من ذكر النار، فإن حرّها شديد، وقعرها بعيد، ومقامها حديد. وكان رضي الله عنه ربما توقد النار ثم يدلي يده فيها، ثم يقول: ابن الخطاب هل لك على هذا صبر؟.
تهيئوا للعرض الأكبر
كان رضي الله عنه يقول في محاسبة النفس ومراقبتها: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر.
ليتني كنت
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال عمر: يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون، فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً، ثم أكلوني، و لم أكن بشراً.
قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال: ليتني كنت هذه التبنة، يا ليتني لم أكن شيئاً، ليت أمي لم تلدني.
بخ... بخ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجت يوماً مع عمر إبن الخطاب حتى دخل حائطاً، فسمعته يقول: وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطاب بخ... بخ، والله بنيّ الخطاب، لتتقين الله، أو ليعذبنك.
ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟
كان سيدي الفاروق يحاسب نفسه حساباً عسيراً، فإذا خيل إليه أنه أخطأ في حق أحد أمره بأن يقتص منه؛ كان مشغولاً ببعض الأمور العامة، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعني على فلان، فإنه ظلمني، فرفع عمر الدرة، فخفق بها رأس الرجل، وقال: تتركون عمر وهو مقبل عليكم، حتى إذا اشتغل بأمور المسلمين أتيتموه، فانصرف الرجل متذمراً، فقال عمر عليّ بالرجل: فلما أعادوه ألقى عمر بالدرة إليه، وقال، أمسك الدرة، واخفقني كما خفقتك قال الرجل: لا يا أمير المؤمنين، أدعها لله ولك، قال عمر: ليس كذلك: إما أن تدعها لله وإرادة ما عنده من الثواب، أو تردها عليّ، فأعلم ذلك، فقال الرجل: أدعها لله يا أمير المؤمنين، وانصرف الرجل، أما عمر فقد مشى حتى دخل بيته ومعه بعض الناس منهم الأحنف بن قيس، الذي حدثنا عمّا رأى، فافتتح الصلاة فصلى ركعتين ثم جلس، فقال: يا ابن الخطاب كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاء رجل يستعديك، فضربته، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟؛ فجعل يعاتب نفسه معاتبة ظننت أنه خير أهل الأرض.
الله لك فيها
بينما سيدي الفاروق يمر في الطريق فإذا هو برجل يكلم إمرأة فعلاه بالدرة، قال الرجل: يا أمير المؤمنين إنما هي إمرأتي!. قال: فلم تقف مع زوجتك في الطريق تعرضان المسلمين إلى غيبتكما؟!. قال: يا أمير المؤمنين الآن قد دخلنا المدينة ونحن نتشاور أين ننزل. فدفع إليه الدرة وقال: إقتص مني يا عبد الله
قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال: إقتص مني يا عبد الله
قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال: إقتص مني يا عبد الله
قال: هي لك يا أمير المؤمنين.
قال: إقتص مني يا عبد الله
قال: هي لله يا أمير المؤمنين.
قال: الله لك فيها.
والله ما نسيتها
عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: مر عمر رضي الله عنه وأنا في السوق، وهو مار في حاجة، ومعه الدرة، فقال: هكذا أمِطْ عن الطريق يا سلمة؛ ثم خفقني بها خفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي، فأمطت عن الطريق، فسكت عني حتى كان في العام المقبل، فلقيني في السوق، فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟؛ قلت نعم يا أمير المؤمنين، فأخذ بيدي، فما فارقت يدي يده حتى دخل بيته، فأخرج كيساً فيه ستمائة درهم فقال: يا سلمة استعن بهذه واعلم أنها من الخفقة التي خفقتك عام أول، قلت: والله يا أمير المؤمنين، ما ذكرتها حتى ذكرتنيها؛ قال: والله ما نسيتها بعد.
أخاف أن أكون هلكت
عن أبي سلامة قال: انتهيت إلى عمر وهو يضرب رجالاً ونساء في الحرم على حوض يتوضئون منه، حتى فرق بينهم، ثم قال: يا فلان، قلت: لبيك، قال لا لبيك ولا سعديك، ألم آمرك أن تتخذ حياضاً للرجال وحياضاً للنساء؟؛ ثم اندفع فلقيه علي رضي الله عنه فقال: أخاف أن أكون هلكت قال: وما أهلكك؟، قال: ضربت رجالاً ونساءً في حرم الله. قال: يا أمير المؤمنين أنت راع من الرعاة، فإن كنت على نصح وإصلاح فلن يعاقبك الله، وإن كنت ضربتهم على غش فأنت الظالم.
أخشى أن أكون أنا صاحب الآية
عن الحسن البصري أنه قال: بينما عمر رضي الله عنه يجول في سكك المدينة إذ عرضت له هذه الآية {والّذِين يُؤْذُون الْمُؤْمِنِين والْمُؤْمِناتِ} فانطلق إلى أبي، إبن كعب، فدخل عليه بيته وهو جالس على وسادة فانتزعها أبي من تحته وقال: دونكها يا أمير المؤمنين، قال: فنبذها برجله وجلس، فقرأ عليه هذه الآية وقال: أخشى أن أكون أنا صاحب الآية، أوذي المؤمنين، قال: لا تستطيع إلا أن تعاهد رعيتك، فتأمر وتنهى فقال عمر: قد قلت والله أعلم.
أعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي
بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر رضي الله عنه بقباء كسرى، وسيفه ومنطقته، وسراويله، وقميصه، وتاجه، وخفيه، فنظر عمر في وجوه القوم فكان أجسمهم وأمدهم قامة سراقة بن جعثم المدلجي، فقال: يا سراقة قم فالبس فقام فلبس وطمع فيه، فقال له عمر: أدبر فأدبر ثم قال: أقبل فأقبل ثم قال: بخ بخ، أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقته، وتاجه، وخفاه، رب يوم يا سراقة إبن مالك لو كان عليك فيه من متاع كسرى كان شرفاً لك ولقومك انزع فنزع سراقة، فقال عمر: إنك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي؛ ثم بكى حتى رحمه من عنده ثم قال لعبد الرحمن: أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي.
كان كالطير الحذر
سئل ابن عباس عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شركاً يأخذه.
يخاف أن يحاسب على موت جدي
كان سيدي الفاروق من شدة خشيته لله ومحاسبته لنفسه يقول: لو مات جدْي بطف الفرات لخشيت أن يحاسب الله به عمر.
عذبت بهيمة في شهوة عمر
وقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري، قال: فرحل يرفأ راحلته، وسار أربعاً مدبراً، وأربعاً مقبلاً، واشترى مكتلاً، فجاء به، وعمد إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر، فقال: انطلق حتى أنظر. إلى الراحلة، فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذبت بهيمة في شهوة عمر؟! لا والله لا يذوق عمر مكتلك.
يخاف أن يسأل عما بالبعير
عن سالم بن عبد الله أن عمر كان يدخل يده في دبرة (جرح) البعير ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك.
أذللت الخلفاء بعدك
وعن علي رضي الله عنه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قتب يعدو، فقلت: يا أمير المؤمنين أين تذهب؟ قال: بعير ندّ من إبل الصدقة أطلبه فقلت: أذللت الخلفاء بعدك، فقال: يا أبا الحسن لا تلمني فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن عناقاً أخذت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة.
فراسة الفاروق وكراماته
تعريف الفاروق للرجل
كان سيدي الفاروق يقيم الرجال بميزان دقيق، وكان يقول: لا يعجبنكم طنطنة الرجل ولكن من أدى الأمانة وكف عن أعراض الناس فهو الرجل.
أنت لا تعرفه
شهد رجل عنده بشهادة فسأل عن من يزكيه، فقال له رجل: أني أشهد له وأزكيه يا أمير المؤمنين؛ قال: أأنت جاره في سكنه؟؛ قال: لا؛ قال: أعاشرته يوماً فعرفت حقيقة أمره؟؛ قال: لا؛ قال: أسافرت يوماً معه؟ فإن السفر والإغتراب محك الرجل. قال: لا؛ قال: لعلك رأيته في المسجد قائماً قاعداً يصلي؟؛ قال: نعم؛ قال: إذهب فأنت لا تعرفه.
أحبس هذه
أخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول: أحبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.
يا سارية الجبل!
أخرج أبو نعيم عن عمرو بن الحارث قال: بينما عمر على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل، مرتين أو ثلاثاً، ثم أقبل على خطبته، فقال بعض الحاضرين: لقد جن، إنه لمجنون؛ فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه، فقال: لشد ما ألومهم عليك إنك لتجعل لهم على نفسك مقالاً، بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح يا سارية الجبل، أي شيء هذا؟، قال: إني والله ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل، ليلحقوا بالجبل. فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة، فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا منادياً ينادي: يا سارية الجبل، مرتين، فلحقنا بالجبل، فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له.
إدرك أهلك يا جمرة
عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا.
من امير المؤمنين إلى نيل مصر
قال أبو الشيخ: حدثنا علي بن داود عن قيس بن الحجاج قال: لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا: يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟، قالوا: إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون أبداً في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب له: أن قد أصبت بالذي قلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث بطاقة في داخل كتابه، و كتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها، فإذا فيها: من عبد الله عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، فاصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السُـنة عن أهل مصر إلى اليوم.
رؤيا صادقة
رأى أمير المؤمنين الفاروق رؤيا فقام من نومه فزعاً يسأل مشفقاً: من هذا الذي يكون أشج من ولدي، ويسير بسيرتي؟!. إن من ولدي رجلاً بوجهه أثر يملأ الأرض عدلاً. فقد كان سيدي الفاروق يود ألا يرى، حتى في منامه، أحداً من ولده أو أحفاده يلي الخلافة إشفاقاً على أهله من أن يحمل أحد منهم إصر أمة، راجياً أن يخرجوا جميعاً من الدنيا لا لهم ولا عليهم.
وتمضي السنين وتقوم دولة بني أمية في الشام فيتولى عبد العزيز إبن مروان أمارة مصر. تزوج عبد العزيز بن مروان أم عاصم بنت عاصم إبن سيدي الفاروق فأنجبت له طفلاً سماه عمر؛ وهو طفل دخل عمر بن عبد العزيز إصطبل الخيل مع أخيه من أبيه الأصبغ فرمحته بغلة فشجت رأسه؛ فصرخ الأصبغ فرحاً: الله أكبر، الله أكبر. غضب عبد العزيز من إبنه فقال: يسقط أخاك وقد سال دمه وأنت فتضحك مسروراً!؟. قال الأصبغ: ليس ضحكي شماتة فيه إنما ضحكت لأن رؤيا إبن الخطاب قد تحققت فيه؛ فهو الأشج من بني مروان.
دعا على أهل العراق بالحجاج وما ولد الحجاج بعد
أخرج البيهقي عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصل فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فالبس عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. قلت: أشار به إلى الحجاج، قال أبو لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ.
الفاروق في حراسة السباع
قال الواقدي: عند ما خطب هرقل قام اليه جبلة بن الأيهم وقال: يا عظيم الروم! انما قتال هؤلاء العرب بقتل خليفتهم عمر بالمدينة فلو أنت أرسلت اليه رجلا من آل غسان يقتله فيكون سبب فشلهم وانتزاع الشام من أيديهم فقال هرقل هذا شيء لا يصح أمله ولكن تطيب النفس عند سماعه فافعل ما اردت. قال فأرسل جبلة من قومه رجلا يقال له واثق إبن مسافر الغساني وكان جريئا مقداما في الحروب فقال له انطلق الى يثرب فلعلك تقتل عمر ووعده على قتله ما أراد وطلب من الأموال فانطلق واثق إبن مسافر حتى دخل المدينة ليلا فلما كان الغد صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالناس صلاة الصبح ودعا وخرج الى ظاهر المدينة يتنسم إخبار المجاهدين بالشام قال فسبقه المتنصر وجلس له بأعلى شجرة من حديقة إبن الدحداح الانصاري واستتر بأغصانها ثم إن عمر قام عن ظاهر المدينة حين حميت الرمضاء وعاد وهو وحده فقرب من الحديقة ودخلها ونام في ظلها، فلما نام هم المتنصر بالنزول من الشجرة وجرد خنجره وإذا هو بأسد أقبل وطاف حول عمر وجلس عند قدميه يلحسهما وأقام حتى استيقظ فعندها نزل المتنصر وقبل يد عمر وقال له: يا عمر، قد عدلت فأمنت والله إن الكائنات تحفظك والسباع تحرسك والملائكة تصفك والجن تعرفك ثم حدثه بأمره وأسلم على يديه.
حلم الفاروق
لا توجع ابن أخي
عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر، فقام إليه الحسين بن علي رضي الله عنه، فقال: انزل عن منبر أبي، فقال عمر: من أمرك بهذا؟، فقام علي فقال: والله ما أمره بهذا أحد، أما لأوجعنك يا غدر، فقال: لا توجع ابن أخي، فقد صدق منبر أبيه لا منبر أبي.
يفترقان على أحسنه
عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر: إنهما لا يجتمعان أبداً، فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله.
الإعراض عن الجاهلين
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا؛ فقال عيينة لابن أخيه: لك وجه عند الأمير، فاستأذن لي عليه قال: سأستأذن لك عليه قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: إيه، يا إبن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه: {خُذْ الْعفْو وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأعْرِضْ عنْ الْجاهِلِين(199)} (سورة الأعراف). وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله، فعندما سمع رضي الله عنه الآية الكريمة هدأت ثائرته، وأعرض عن الرجل الذي أساء إليه في خلقه عندما اتهمه بالبخل، وفي دينه عندما اتهمه بالجور في القسم، وتلك التي يهتم لها عمر وينصب.
أغمدت سيفاً سله رسول الله
خطب عمر بالجابية في الشام فتحدث عن الأموال وكيفية القسمة وعن أمور أخرى ثم قال: وإني أعتذر إليكم عن خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح. فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، فقال: والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملاً استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغمدت سيفاً سله رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعت أمراً نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطعت رحماً، وحسدت ابن العم. فقال عمر رضي الله عنه: إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك.
زهـد الفـاروق
عابر سبيل أضر بالفانية
لقد فهم عمر رضي الله عنه من خلال معايشته للقرآن الكريم، ومصاحبته للنبي الأمين صلى الله عليه وسلم ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء وعليه فإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرّر من سيطرة الدنيا بزخارفها، وزينتها، وبريقها وخضع وانقاد وأسلم نفسه لربه ظاهراً وباطناً، وكان وصل إلى يقين تام بأننا في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل؛ وأن عمرها قد قارب على الانتهاء وأن الآخرة هي الباقية، وهي دار القرار، كما قال فترفع رضي الله عنه عن الدنيا وحطامها وزهد فيها فقال رضي الله عنه: نظرت في هذا الأمر، فجعلت إن أردت الدنيا أضرّ بالآخرة، وإن أردت الآخرة أضر بالدنيا، فإذا كان الأمر هكذا، فأضر بالفانية.
دنياكم مزبلة
عن أبي الأشهب قال: مرّ عمر رضي الله عنه على مزبلة فاحتبس عندها، فكأن أصحابه تأذوا بها، فقال: هذه دنياكم التي تحرصون عليها، وتبكون عليها.
نريد أن نستبقي طيباتنا
عن سالم بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب كان يقول: والله ما نعبأ بلذات العيش أن نأمر بصغار المعزى أن تسمط لنا، ونأمر بلباب الخبز فيخبز لنا، ونأمر بالزبيب فينبذ لنا في الأسعان حتى إذا صار مثل عين اليعقوب، أكلنا هذا وشربنا هذا، ولكنا نريد أن نستبقي طيباتنا، لأنا سمعنا الله يقول: (أذْهبْتُمْ طيِّباتِكُمْ فِي حياتِكُمْ الدُّنْيا).
أزهد الناس في الدنيا
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: والله ما كان عمر بن الخطاب بأقدمنا هجرة، وقد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا.
ارادته الدنيا ولم يردها
قال معاوية بن سفيان: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم تُرِده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يُرِدْها، وأمّا نحن فتمرغنا فيها ظهْراً لبطن.
إنه خشن العيش
خطب الفاروق أم كلثوم ابنة أبي بكر الصديق، وهي صغيرة وراسل فيها عائشة فقالت أمُّ كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت عائشة: أترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إنه خشن العيش. فأرسلت عائشة إلى عمرو إبن العاص، فصدّه عنها ودلّه على أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: تعلق منها بسبب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها من علي فزوجه أياها.
إزار الخليفة فيه اثنتا عشرة رقعة
وقد خطب عمر رضي الله عنه الناس، وهو خليفة، وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، وطاف ببيت الله الحرام وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة، إحداهن بأدم أحمر، وأبطأ على الناس يوم الجمعة، ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا؛ كان يغسل، ولم يكن لي ثوب غيره.
لبس المرقع
وقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه.
الفاروق يلتقط النكث والنوى ويلقيه في منازل الناس!!!
وقال قتادة: كان عمر يلبس ـ وهو خليفة ـ جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، ويمر بالنكث والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به.
ما ضرب له فسطاطاً (خيمة)
وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاجاً من المدينة إلى مكة، إلى أن رجعنا، فما ضرب له فسطاطاً، ولا خباء، كان يلقى الكساء والنطع، على الشجرة فيستظل تحته.
وبكت أم المؤمنين حفصة
دخلت عليه مرة حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وقد رأت ما هو فيه من شدة العيش والزهد الظاهر عليه فقالت: إن الله أكثر من الخير، وأوسع عليك من الرزق، فلو أكلت طعاماً أطيب من ذلك، ولبست ثياباً ألين.
من ثوبك؟ قال: سأخصمك إلى نفسك، فذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يلقى من شدة العيش، فلم يزل يُذكرها ما كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت معه حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان لي صاحبان سلكا طريقاً، فإن سلكت الشديد، لعلي أن أدرك معهما عيشهما الرخي.
بنى عمرو داراً لعمر فطلب إزالته
كتب والي مصرعمرو لعمر بأنه خطط له داراً عند المسجد الجامع. فأجابه عمر: أنى لرجل من الحجاز أن يكون له دار بمصر؟!. وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، فنفذ عمرو أمره.
ورع الفاروق
إن الإمام إذا رتع رتعت الرعية
قال عمر رضي الله عنه: إن الناس ليؤدون إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، وإن الإمام إذا رتع رتعت الرعية.
كان رضي الله عنه شديداً في محاسبة أهله، فقد كان يعلم أنه لا جدوى إن قسا على نفسه ورتع أهله فحوسب عنهم في الآخرة، لذا كان شديد المراقبة والمتابعة لتصرفات أولاده وأزواجه وأقاربه.
منع جرِّ المنافع لذوي القربى
كان عمر إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم فإن وقعتهم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن شاء منكم أن يتأخر.
تحرجه من المال العام
كان سيدي الفاروق رضوان الله عليه يعف عن مال الرعية حتى كان وهو أمير المؤمنين بالكاد يأخذ إستحقاقه من بيت المال ملتزما بذلك بما قال يوم مبايعته (إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة والي اليتيم من ماله) وبقي على ذلك حتى دخلته خصاصة.
ما يصلح لي منه؟
أخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زماناً لا يأكل من مال بيت المال شيئاً، حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشارهم، فقال: قد شغلت في نفسي هذا الأمر فما يصلح لي منه؟ فقال علي: غداء وعشاء، فأخذ بذلك عمر.
وقال النخعي: كان عمر يتجر وهو خليفة.
والي الأمة يقترض من بيت المال
أخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه، فقضاه.
أسرفنا في هذا المال
عن ابن عمر أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً، فقال: يا عبد الله، أسرفنا في هذا المال.
والله ما أردت الله بهذا
أخرج عن النخعي أن رجلاً قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال: قاتلك الله! والله ما أردت الله بهذا، أستخلف رجلاً لم يحسن أن يطلق امرأته؟.
طعامه من خالص ماله
كان عمر رضي الله عنه يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية، ولكنه كان يتحرج من أن يأكل من طعام صنع من مال المسلمين العام فيأمر بإحضار طعام من خالص ماله، رغم أن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأن عمر منهم لكنه قد عف من ذلك لشدة خوفه من الله تعالى وخشية أن يكون ذلك من الشبهات.
خاف أن يكون ناراً في بطنه
قدم معدان بن أبي طلحة على عمر رضي الله عنه بقطائف وطعام، فأمر به فقسم، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أرزقهم ولن أستأثر عليهم إلا أن أضع يدي في طعامهم، وقد خفت أن تجعله ناراً في بطن عمر، قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صحفة من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة.
ويحك، تسقيني نارا؟ً
عن عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر رضي الله عنه، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره، فقال: ويحك من أين لك هذا اللبن؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال ويحك تسقيني ناراً؟، واستحل ذلك اللبن من بعض الناس، فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها.
كفى بالمرء سرفاً
قال الحسن دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً، فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، قال: أو كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما اشتهى.
لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك
مرض يوماً، فوصفوا له العسل دواء، وكان في بيت المال عسل جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحة الأطباء، حتى جمع الناس، وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو علي حرام، فبكى الناس إشفاقاً عليه وأذنوا له جميعاً، ومضى بعضهم يقول لبعض، لله درك يا عمر! لقد أتعبت الخلفاء بعدك.
منع إبناءه من الاستفادة من المرافق
منع عمر رضي الله عنه أهله من الاستفادة من المرافق العامة التي رصدتها الدولة لفئة من الناس، خوفاً من أن يحابي أهله بها.
قال عبد الله بن عمر: اشتريت إبلاً أنجعتها الحمى فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلاً سماناً، فقال: لمن هذه الإبل؟، قيل: لعبد الله بن عمر، قال، فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ … بخ … ابن أمير المؤمنين، قال: ما هذه الإبل؟، قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى ابتغى ما يبتغي المسلمون، قال: فيقولون ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.
تفضيل الفاروق أسامة بن زيد على ولده
كان عمر رضي الله عنه يقسم المال ويفضل بين الناس على السابقة والنسب ففرض لأسامة بن زيد رضي الله عنه أربعة آلاف، وفرض لعبد الله بن عمر رضي الله عنه ثلاثة آلاف، فقال: يا أبت فرضت لأُسامة إبن زيد أربعة آلاف، وفرضت لي ثلاثة آلاف؟، فما كان لأبيه من الفضل مالم يكن لك! وما كان له من الفضل مالم يكن لي! فقال عمر: إن أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وهو كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك!!.
قال لإبنه إني قاسم مسؤول
قال عبد الله بن عمر: شهدت جلولاء ببلاد فارس فابتعت من المغنم بأربعين ألفاً، فلما قدمت على عمر قال: أرأيت لو عرضت على النار فقيل لك: افتده، أكنت مفتدياً به؟ قلت والله ما من شيء يؤذي بك إلا كنت مفتدياً بك منه، قال: كأني شاهد الناس حين تبايعوا فقالوا: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أمير المؤمنين وأحب الناس إليه، وأنت كذلك، فكان أن يرخصوا عليك أحب إليهم من أن يغلوا عليك، وإني قاسم مسؤول وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهم، قال: ثم دعا التجار فابتاعوه منه بأربعمائة ألف درهم، فدفع إلي ثمانين ألفاً وبعث بالباقي إلى سعد بن أبي وقاص ليقسمه.
أول قراض (شراكة) في الإسلام
عن أسلم قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر في جيش إلى العراق فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين وأسلفكماه فتبيعان به متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح، ففعلاً، وكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال. فلما قدما على عمر قال: أكل الجيش أسلف كما أسلفكما؟ فقالا: لا، فقال عمر: أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، لو هلك المال أو نقص لضّمناه. فقال: أديا المال. فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً. فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال. قالوا: هو أول قراض في الإسلام.
مصادرة ما أهدي لولده
قال معيقيب: أرسل إليّ عمر رضي الله عنه مع الظهيرة، فإذا هو في بيت يطالب ابنه عاصماً فقال لي: اتدري ما صنع هذا؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين، فانتفقهم (سألهم النفقة)، فأعطوه آنية وفضة ومتاعاً، وسيفاً محلى. فقال: عاصم: ما فعلتُ، إنما قدمت على ناس من قومي، فأعطوني هذا. فقال عمر: خذه يا معيقيب، فاجعله في بيت المال.
منع زوجاته من التدخل في شئون الدولة
كان رضي الله عنه يمنع أزواجه في التدخل في شؤون الدولة، فعندما كتب عمر رضي الله عنه على بعض عماله، فكلمته امرأته فيه فقالت: يا أمير المؤمنين فيم وجدت عليه؟ قال: يا عدوة الله وفيم أنت وهذا؟ إنما أنت لعبة يلعب بك ثم تتركين، فأقبلي على مغزلك ولا تعرضي فيما ليس من شأنك.
منع زوجته وزن المسك حتى لا تمسح به صدغها
قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة حسنة الوزن تزِنُ لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل: أنا جيدة الوزن فهلمّ أزن لك، قال: لا، قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا، (وأدخل أصابعه في صدغيه)، وتمسحي به عنقك، فأصيب فضلاً على المسلمين.
منع منح الهدايا لزوجاته
قال ابن عمر: أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد طنفسة، أراها تكون ذراعاً وشبراً، فرآها عمر عندها، فقال: أنّى لك هذه؟، فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري، فأخذها عمر رضي الله عنه فضرب بها رأسها، حتى نفض رأسها، ثم قال علي بأبي موسى وأتعبوه فأتى به، وقد أتعب وهو يقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين فقال عمر: ما يحملك على أن تهدي لنسائي؟، ثم أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها فلا حاجة لنا فيها.
رد هدية امرأة ملك الروم لزوجته إلى بيت المال
لما ترك ملك الروم الغزو وكاتب عمر وقاربه وسير إليه عمر الرسل مع البريد بعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب ومشارب وأحناش من أحناش النساء ودسته إلى البريد فأبلغه لها فأخذ منه وجاءت امرأة قيصر وجمعت نساءها وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب وبنت نبيهم وكاتبتها وأهدت لها وفيما أهدت لها عقد فاخر، فلما انتهى به البريد إليه أمر بإمساكه ودعا الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصلى بهم ركعتين وقال: إنه لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري. قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم فقال قائلون: هو له بالذي لها: وليست امرأة الملك بذمة فتصانع به ولا تحت يديك فتبقيك. وقال آخرون قد كنا نهدي الثياب لنستثيب ونبعث بها لتباع ولنصيب شيئاً، فقال: ولكن الرسول رسول المسلمين والبريد بريدهم. فأمر بردها إلى بيت المال ورد عليها بقدر نفقتها.
تواضع الفاروق
الدخول على رئيس أعظم دولة في زمنه
سأل رجل رجلاً: كيف بالدخول على أمير المؤمنين؟؛ فأجاب: ليس عليه باب ولا حجاب، يصلي الصلاة ثم يعقد فيكلمه من شاء.
ما لقوم يستأثرون على خدامهم
عن ابن عباس أنه قال: قدم عمر بن الخطاب حاجاً، فصنع له صفوان إبن أمية طعاماً، فجاؤوا بجفنه يحملها أربعة، فوضعت بين يدي القوم يأكلون وقام الخُدّام فقال عمر: أترغبونه عنهم؟ فقال سفيان بن عبد الله: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكنا نستأثر عليهم، فغضب عمر غضباً شديداً، ثم قال: ما لقوم يستأثرون على خدامهم، فعل الله بهم وفعل، ثم قال للخدام: اجلسوا فكلوا، فقعد الخدام يأكلون، ولم يأكل.
وقبل الفاروق رأس عبد الله بن حذافة
أسرت الروم الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي فجاءوا به الى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك إبنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت. فهدده بالقتل وعذبه فما تراجع؛ ثم سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياماً ثم أرسل اليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه ثم أستدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولم أكن لأشمتك بي. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ فقال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق جميع أسارى المسلمين عنده. لما رجع عبد الله بن حذافة قال سيدي عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ. فقام رضي الله عنه وقبل رأسه.
عمر يعيد ميزاب نزعه مكان وضعه الرسول
عن عبد الله بن عباس قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان فلما وافى الميزاب صُبّ ماء بدم الفرخين فأصاب عمر، فأمر عمر بقلعه، ثم رجع عمر فطرح ثيابه ولبس ثياباً غير ثيابه، ثم جاء فصلى بالناس فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر للعباس: وأنا أعزم عليك لما صعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل ذلك.
ركب عمر حماراً خلف صبي
عن الحسن البصري قال: خرج عمر رضي الله عنه في يوم حارّ واضعاً رداءه على رأسه، فمرّ به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين، قال: لا، اركب وأركب أنا خلفك، تريد تحملني على المكان الوطئ، وتركب أنت على الموضع الخشن. فركب خلف الغلام ودخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه.
وأي عبد هو أعبد مني؟
قدم على عمر بن الخطاب وفد من العراق فيهم الأحنف بن قيس في يوم صائف شديد الحر، وعمر معتجر (معمم) بعباءة يهنأ (يطلي بالقطران) بعيراً من إبل الصدقة فقال: يا أحنف ضع ثيابك، وهلم، فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير فإنه إبل الصدقة، فيه حق اليتيم، والأرملة، والمسكين، فقال رجل من القوم: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين فهلا تأمر عبداً من عبيد الصدقة فيكفيك؟ فقال عمر: وأي عبد هو أعبد مني، ومن الأحنف؟ إنه من ولي أمر المسلمين يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيده في النصيحة، وأداء الأمانة.
أراد أن يعرف نفسه نفسها
روي محمد بن عمر المخزومي عن أبيه أنه قال: نادى عمر إبن الخطاب بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، وكبروا، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام ثم قال: أيها الناس لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم. ثم نزل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمّأت نفسك فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها نفسها.
دخلت نفسه نخوة، فأراد أن يكسرها
عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها.
ضرب إبنه ليصغر له نفسه
عن عكرمة بن خالد قال: دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثياباً حساناً، فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه، فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه، فأحببت أن أصغرها إليه.
أضل من بعير
عن جبير بن نفير: أن نفراً قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلاً أقضى بالقسط، ولا أقول للحق ولا أشدّ على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله، فقال عوف بن مالك: كذبتم والله لقد رأينا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من هو؟ فقال: أبو بكر فقال عمر: صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي. (لأن الصديق أسلم قبله).
أمرأة سمع الله قولها من فوق سبع سماوات
خرج سيدي الفاروق من المسجد ومعه الجارود العبدي فإذا إمرأة برزت على ظهر الطريق فسلم عليها فردت السلام ثم قالت له: عهدناك وأنت تسمى عمير في سوق عكاظ تذعر الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمراً، فلم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فإتق الله في الرعية، وأعلم أن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال الجارود: أكثرت أيتها المرأة على أمير المؤمنين. فقال سيدي الفاروق: دعها، أما تعرف هذه؟، هذه هي خولة بنت ثعلبة التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات وأنزل فيها: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها}؛ فعمر أحق أن يسمع لها؛ فوالله لو إنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا ألى صلاة ثم أرجع إليها.
نحن قوم أعزنا الله بالإسلام
عن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا، ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك؛ فقال عمر: أوه، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
كل واحد منهما أدم
قال الأحوص بن حكيم عن أبيه: أتى عمر بلحم فيه سمن، فأبى أن يأكلهما، وقال: كل واحد منهما أدم.
عـدل الفـاروق
قال ابن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة.
العدل من المبادي العامة التي أقرها الإسلام، ولا يكون عدل بدون مساواة بين الناس، فالعدل والمساواة أمران متلازمان لا يتم أولهما إلا بثانيهما؛ وفي الإسلام الناس جميعاً سواسية، الحاكم والمحكوم، الرجال والنساء، العرب والعجم، الأبيض والأسود، كلهم سواء؛ وجاءت ممارسة الفاروق لهذا المبدأ خير شاهد. فمساواة الرعية بالوالي والمساواة بين الرعية هي إحدى تلك القيم التي تحلى بها سيدي الفاروق وله مقولة مشهورة تقول إن الناس سواسية كأسنان المشط.
طبق سيدي الفاروق مبدأ العدل والمساواة في المدينة وأمر عماله بتطبيقهما في الأقاليم. فدعونا نتجول في ساحات عدل سيدي إبن حنتمة.
لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن
شكا رجل سيدنا علي كرم الله وجهه إلى سيدي عمر، رضي الله عنهما، فقال سيدي عمر لسيدنا علي كرم الله وجهه: ساو خصمك يا أبا الحسن. فتغير وجه سيدنا علي كرم الله وجهه. ولما قضى سيدي عمر بينهما سأل سيدنا علي كرم الله وجهه: أغضبت يا أبا الحسن لأني سويت بينك وبين خصمك، فقال سيدنا علي كرم الله وجهه: بل لأنك لم تسو بيني وبين خصمي يا أمير المؤمنين، إذ كرمتني فناديتني يا أبا الحسن، بكنيتي، ولم تناد خصمي بكنيته. فقبل سيدي عمر رأس سيدنا علي كرم الله وجهه، وقال: لا أبقاني الله بأرض ليس فيها أبو الحسن.
سلطان الله لن يهاب أحداً
ومن صور تطبيق المساواة والعدل بين الناس ما قام به عمر عندما جاءه مال فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص يزاحم الناس، حتى خلص إليه، فعلاه بالدِّرة وقال: إنك أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لن يهابك. فإذا عرفنا أن سعداً كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأنه فاتح العراق، ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عينهم سيدي الفاروق للشورى لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو راضٍ عنهم، وأنه كان يقال له فارس الإسلام عرفنا مبلغ التزام عمر بتطبيق المساواة.
الفاروق يقضي بالحق لصاحبه وإن كان يهوديا
روى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر إبن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق.
كيف وهو سوقة وأنا ملك!
لما انتشرت الفتوحات الإسلامية، وتوالت انتصارات المسلمين على الروم، أخذت القبائل العربية في الشام تعلن إسلامها فبدأ للأمير الغساني أن يدخل الإسلام هو أيضاً، فأسلم هو وذووه. وكتب إلى الفاروق يستأذنه في القدوم إلى المدينة، ففرح عمر بإسلامه وقدومه، فجاء إلى المدينة وأقام بها زمناً والفاروق يرعاه ويرحب به، ثم بدا له أن يخرج إلى الحج، وفي أثناء طوافه بالبيت الحرام وطيء إزاره رجل من بني فزارة فحله، وغضب الأمير الغساني لذلك فلطمه لطمة قاسية هشمت أنفه، وأسرع الفزاري إلى أمير المؤمنين يشكو إليه ما حل به وأرسل الفاروق إلى جبلة يدعوه إليه، ثم سأله فأقر بما حدث. قال الفاروق: ماذا دعاك يا جبلة لأن تظلم أخاك هذا فتهشم أنفه؟ أجاب الأمير الغساني: لقد ترفقت كثيراً بهذا البدوي ولولا حرمة البيت الحرام لأخذت الذي فيه عيناه. قال الفاروق: لقد أقررت، فأما أن ترضي الرجل وإما أن اقتص له منك. قال جبلة وقد زادت دهشته لكل هذا الذي يجري: وكيف ذلك وهو سوقة وأنا ملك؟. قال الفاروق: إن الإسلام قد سوى بينكما. قال الأمير الغساني: لقد ظننت يا أمير المؤمنين أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. قال الفاروق: دع عنك هذا فإنك إن لم ترضِ الرجل اقتصصت له منك. قال جبلة: إذا أتنصر. قال الفاروق: إن تنصرت ضربت عنقك، لأنك أسلمت فإن ارتددت قتلتك. وهنا أدرك جبلة أن الجدال لا فائدة منه، وأن المراوغة مع الفاروق لن تجدي، فطلب من الفاروق أن يمهله ليفكر في الأمر، فأذن له عمر بالانصراف، وفكر جبلة بن الأيهم ووصل إلى قرار، وكان غير موفق في قراره، فقد آثر أن يغادر مكة هو وقومه في جنح الظلام وفر إلى القسطنطينية، فوصل إليها متنصراً، وندم بعد ذلك على هذا القرار أشد الندم.
تحذير عمر أهله
عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: لا أعلمن أحداً وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.
أقام الحدّ على أقاربه
أقام عمر حد الخمر على إبنه عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، وأقام الحدّ على قدامة بن مظعون وقد شرب الخمر مُتأوِّلاً، وقدامة هذا هو خال إبنة وإبن سيدي الفاروق حفصة وعبد الله رضي الله عنهم.
قال لحفصة غششت أباك ونصحت أقرباءك
جيء إلى عمر رضي الله عنه بمال، فبلغ ذلك حفصة أم المؤمنين، فقالت: يا أمير المؤمنين، حق أقربائك من هذا المال، قد أوصى الله عز وجل بالأقربين من هذا المال، فقال: يا بنية حق أقربائي في مالي، وأما هذا ففي سداد المسلمين، غششت أباك ونصحت أقرباءك؛ قومي.
أردت أن ألقى الله ملكاً خائناً!؟
طلب صهرٌ له أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى الله ملكاً خائناً. ثم أعطاه من صُلب ماله عشرة آلاف درهم.
أم سليط أحق به
عن ثعلبة بن أبي مالك أنه قال: قسم عمر رضي الله عنه مروطاً بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرطٌ جيد فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك؛ فقال عمر: أم سليط أحق به فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد.
عدل الفاروق فأمن فنام
روى أصحاب السير أنه جيء إلى عمر رضي الله عنه بالهرمزان ملك الأهواز أسيرا في سنة سبع عشرة ومعه وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قيس فلما وصلوا به إلى المدينة ألبسوه كسوته من الديباج المذهب ووضعوا على رأسه تاجه وهو مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون على هيئته التي يكون عليها في ملكه فطلبوا عمر فلم يجدوه فسألواعنه فقيل هو في المسجد فأتوه فإذا هو نائم فجلسوا دونه فقال الهرمزان: أين هوعمر؟، قالوا: هو ذا، قال: فأين حرسه وحُجّابُه؟ قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، فنظر الهرمزان إلى عمر رضي الله عنه وقال: عدلت فأمنت فنمت واستيقظ عمر لجلبة الناس فقال: الهرمزان؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه.
وقد قال حافظ إبراهيم في هذا:
قد راع صاحب كسرى أن رأى عُمراً بين الرّعية عُطـــــلاً وهــو راعيهـا
وعهـده بِمـــــلـوك الفُــــرس أن لـها سُوراً من الجند والأحراس يحميها
رآه مُستغـــــــرقـاً في نـومـه فــرأى فـيه الجــــلالـة في أسْـمى معـانيها
فوق الثرى تحت ظلّ الدّوح مُشتمِـلاً بِبُردة كـاد طـــول العــهــــد يُبلـيهـا
فـهـان في عــينـه مــا كـان يُكـــــبِره مــن الأكاسِــــر والــــدنيا بأيـديهـا
وقـــال قــــولـة حـقّ أصبحـت مــثلاً وأصـبح الجـيل بعـد الجـيل يرويهـا
أمِــنت لِمّــا أقــمـت العـــدل بينهــــم فــنمت نـوم قـرير العـين هـانيهــا
الفـاروق عـام الرمـادة
أمسك المطر في الجزيرة العربية لمدة تسعة أشهر في إمارة عمر رضي الله عنه فصارت الأرض سوداء مجدبة كثيرة التراب فكانت تسفي إذا ريحت تراباً كالرماد، فسمي ذلك العام عام الرمادة. وهلك الزرع والضرع فأقفرت الأسواق ولم يبق فيها ما يباع ويشترى؛ وإشتد البلاء فصار الناس يأكلون الجلود ويسحنون العظام ويسفونها ويحفرون جحور الجرذان والنمل ويخرجون ما فيها لأكله. وكانت المدينة أفضل حالاً من أهل البادية بداية المجاعة قبل أن ينزح اليها أهل البادية. وإزداد عدد النازحين للمدينة حتى ضاقت بهم وإشتد بأهلها البلاء وصاروا في مثل حال أهل البادية جدباً وجوعاً.
قرقري ما شئت
قال أنس: تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة، وكان قد حرم على نفسه السمن، فنقر بطنه بإصبعه وقال: إنه ليس عندنا غيره حتى يحيى الناس.
وأسود لون الفاروق
عن عياض بن خليفة قال: رأيت عمر عام الرمادة وهو أسود اللون، ولقد كان أبيض، قيل: مِمّ ذا؟، قال: كان رجلا عربياً، وكان يأكل السمن واللبن، فلما أمحل الناس حرمهما، فأكل الزيت حتى غير لونه وجاع فأكثر.
وعندما رأى الناس ما أصاب أميرهم عام ارمادة كانوا يقولون: لو لم يرفع الله المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين.
اللهم لا تجعل هلكة أمة محمد على رجلي
عن السائب بن يزيد قال: رأيت على عمر بن الخطاب إزارا في زمن الرمادة فيه ست عشرة رقعة، ورداؤه خمس وشبر، وهو يقول: اللهم لا تجعل هلكة أمة محمد على رجلي.
رحم الله ابن حنتمة
عن ابن سعد في الطبقات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يرحم الله ابن حنتمة!، لقد رأيته عام الرمادة وإنه ليحمل على ظهره جرابين وعكة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم، فلما رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريبا. فأخذت أعقبه فحملناه حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتا من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الْجهْد. قال: فأخرجوا لنا جلد الميتة مشويا كانوا يأكلونه، ورمّة عظام مسحوقة كانوا يسفّونها، فرأيت عمر طرح رداءه ثم إتزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا، وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
ليس هكذا تعصدين
عن حزام بن هشام عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب عام الرمادة مرّ على امرأة وهي تعصد عصيدة لها، فقال: ليس هكذا تعصدين! ثم أخذ المسوط فقال: هكذا؛ فأراها.
أنصاف بطون الجوعى من أنصاف بطون الشبعى
وسيدي الفاروق يقود معركته ضد الجوع قال: لو لم أجد للناس ما يسعهم إلا أن أدخل على أهل كل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بالحيا، فعلت؛ فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم.
أكره أن آكل إسرافاً
قدمت السوق عُكّة من سمن، ووطب من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبر الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن، وعكة من سمن، فابتعناهما بأربعين، فقال عمر: أغليت فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً، وقال عمر: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسني ما مسهم.
بخ... بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها
كان عمر رضي الله عنه عام الرمادة لا يأكل من الطعام ما لا يتيسر لجميع المسلمين، وقد كان يصوم الدهر، فكان زمن الرمادة إذا أمسى أتى بخبز قد ثُرد بالزيت، إلى أن نحروا يوماً من الأيام جزوراً، فأطعمها الناس وغرفوا له طيبها فأتي به، فإذا قديد من سنام ومن كبد، فقال: أنى هذا؟، فقالوا: يا أمير المؤمنين، من الجزور التي نحرناها اليوم. فقال: بخ... بخ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها، وأطعمت الناس كرادسها، ارفع هذه الجفنة، هات غير هذا الطعام، فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسر الخبز ويثرد.
يا غوثاه .... يا غوثاه
كتب سيدي الفاروق إلى عمرو بن العاص بفلسطين وإلى معاوية وأبي عبيدة بالشام وإلى سعد بن وقاص بالعراق يقول: سلام عليك. أما بعد، أفتراني هالكاً ومن قبلي وتعيش أنت ومن قبلك!؛ فيا غوثاه.... يا غوثاه .... يا غوثاه.
وأجابه عمرو: .... فألبث لأبعثن إليك بعير أولها عندك وآخرها عندي.
وجاء الغوث....
وكان أبو عبيدة بن الجراح أسرع الأمراء إستجابة لنداء الفاروق فقدم من الشام في أربعة آلاف راحلة محملة بالطعام فولاه عمر قسمته فيمن حول المدينة....
وبعث عمرو الطعام وخمسة آلاف كساء من فلسطين على الأبل وعلى السفن من ثغر أيلة (العقبة) ...
وبعث معاوية ثلاثة آلاف بعير من الشام مع ثلاثة آلاف عباءة....
وبعث سعد ألف بعير من العراق محملة بالدقيق...
واستسقى عمر وعليه برد الرسول (ص)
أخرج ابن سعد عن نيار الأسلمي أن عمر لما إستسقي خرج وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستسقى عمر للناس بالعباس
عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل، وأن تسقينا الغيث، فلم يبرحوا حتى سقوا، فأطبقت السماء عليهم أياماً.
ودمعت عينا الفاروق
جاء في سنن البيهقي أن عمر أنفق على أهل الرمادة حتى وقع المطر، فترحلوا، فخرج إليهم عمر راكباً فرساً، فنظر إليهم وهم يترحلون بظعائنهم، فدمعت عيناه، فقال رجل من بني محارب بن خصفة: أشهد أنها انحسرت عنك، فقال له عمر: ويلك، ذلك لو أنفقت من مالي أو من مال الخطاب، إنما أنفقت من مال الله. ولكم عليّ ألا أجتبي شيئاً من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه، ولكم عليّ إذا وقع في يدي ألا يخرج مني إلا في حقه، ولكم عليّ أن أزيد أعطياتكم وأرزاقكم إن شاء الله.
الفاروق عام الغلاء
غلت الأثمان عام الغلاء فأصاب الناس ما أصابهم في عام الرمادة؛ فلم يختلف موقف سيدي الفاروق عام الغلاء عن موقفه عام الرمادة.
نلتقي إن شاء الله ونواصل القطف بإذن الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق