القطف المستطاب
من سيرة سيدي إبن الخطاب
(2)
جمع وإعداد وترتيب
مصطفى دارنتود
الفاروق بين يدي المصطفى (ص)
أحب عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً جماً، وتعلق فؤاده به، وقدم نفسه فداء له، وتضحية في سبيل نشر دعوته. هذا الحب السامي الشريف هو الذي جعل عمر يلازم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع غزواته، وقد أمده ذلك بخبرة ودربة ودراية بشؤون الحرب، ومعرفة بطبائع النفوس وغرائزها، كما أن ملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم وكثرة تحدثه معه، قد طبعه على البلاغة والبيان والفصاحة وطلاقة اللسان، والتفنن في أوجه القول.
حب النبي للفاروق وحب الفاروق للنبي
أحب الرجال للنبي
قال عمرو بن العاص سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة: فقلت: مِن الرِّجَال؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من؟، قال: عمر بن الخطاب؛ فَعَدّ رجالا.
وفـرِح الفاروق
استأذن عمر يوماً إلى عمرة فقال له صلى الله عليه وسلم: لا تنسنا يا أخي في دعائك. فقال عمر: ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله: يا أخي.
من أبغض عمر أبغض النبي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبغض عمر فقد أبغضني، ومن أحب عمر فقد أحبني.
قرة عين في الدنيا والآخرة
عن جابر بن عبد الله قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعليه قميص أبيض، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر أجديد قميصك هذا أم غسيل؟، فقال: غسيل، فقال: البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً يعطيك الله قرة عين في الدنيا والآخرة.
حب الفاروق للنبي
الآن يا عمر
عن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبّ إلي من كل شيء إلا من نفسي!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر.
ما كان عمر يُسْمِع النبي
عن نافع بن عمر عن إبن مليكة قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي مجاشع وأشار الآخر برجل آخر؛ فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فأرتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى:{يا أيّها الّذِين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم}.... الآية. قال إبن الزبير: فما كان عمر يُسْمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبي بكر.
مكانة الفاروق في السماء
فضائل عمر لا تعـد
عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمار أتاني جبريل آنفاً فقلت: يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب في السماء فقال: يا محمد لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ما نفدت فضائل عمر، وإن عمر لحسنة من حسنات أبي بكر.
أول من يصافحه الحق
عن أبي كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخل الجنة.
رضى الله رضى عمر
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رضى الله رضى عمر، ورضى عمر رضى الله.
الملائكة توقر الفاروق
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر.
سراج أهل الجنة
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة.
لو كان رسول بعد الرسول (ص) لكان عمر
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان الله باعثاً رسولاً بعدي، لبعث عمر بن الخطاب.
لو كان نبي بعد النبي (ص) لكان عمر
وعن عصمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو كان بعدي نبي لكان عمر.
وبكى الفاروق
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبراً فبكى عمر وقال: بابي أنت وأمي يا رسول الله أعليك أغار؟.
الملائكة تتكلم على لسان الفاروق
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبغض عمر فقد أبغضني، ومن أحب عمر فقد أحبني. وإن الله باهى بالناس عشية عرفة عامة، وباهى بعمر خاصة، وإنه لم يبعث الله نبيا إلا كان في أمته محدّث، وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر. قالوا: يا رسول الله كيف يحدّث? قال: تتكلم الملائكة على لسانه.
غضب الفاروق عز
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئ عمر السلام، وأخبره أن غضبه عز، ورضاه حكم.
مكانة الفاروق في الأرض
إن لقي الشيطان الفاروق خر لوجهه
أخرج الطبراني عن سديسة مولاة حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه.
لا تصيبنكم فتنة ما دام هذا فيكم
عن قدامة بن مظعون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى عمر فقال: هذا غلق الفتنة.
وقال: لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانيكم. أحب الرجال إلى أبي بكر
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلي من عمر.
ثبات الفاروق يوم أحد
قال النووي: شهد عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها، وكان ممن ثبت معه يوم أحد.
عِـلم الفاروق
علم أعطاه الله للنبي فأعطى منه لعمر
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في النوم أني أُعطيت عساً مملوءاً لبناً فشربت منه حتى تملأت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر بن الخطاب. فأولوها قالوا: يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملأت منه، وفضلت فضلة فأعطيتها عمر إبن الخطاب، فقال: أصبتم.
عمر عبقري لا يفرى فريه
عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: رأيت في المنام أني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع دلواً أو دلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم أخذ عمر فاستحالت بيده غرباً فلم أر عبقرياً في الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن.
عمر معلم أمة محمد
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كان من نبي إلا في أمته معلم أو معلمان، وإن يكن في أمتي منهم فهو عمر بن الخطاب، إن الحق على لسان عمر وقلبه.
عمر إكتسى ديناً
أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين.
ذهب عمر بتسعة أعشار العلم
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، أخرجه الطبراني في الكبير، والحاكم.
العلم مدسوس في حجر عمر
قال حذيفة رضي الله عنه: كأن علم الناس كان مدسوساً في حجر عمر.
صفــات الفــاروق
تحدث العلماء والباحثون عن صفات سيدي الفاروق والتي من أهمها: قوة الإيمان، والشجاعة، والعدل، والعلم، والخبرة، وسعة الإطلاع، والهيبة، وقوة الشخصية، والفراسة، والفطنة، وبعد النظر، والكرم، والقدوة الحسنة، والرحمة، والشدة والحزم، والغلظة، والتقوى، والورع.
قوة عمر
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: متى توتر؟ قال: أول الليل بعد العتمة. قال: فأنت يا عمر؟، قال: آخر الليل. قال: أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالثقة، وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة.
عمر رجل يكره الباطل
عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعني عمر: هذا رجل لا يحب الباطل.
الحق بعد النبي مع عمر
عن ابن عباس عن أخيه الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عمر مني وأنا من عمر، والحق بعدي مع عمر حيث كان هو الفاروق عن أيوب بن موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل.
يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى فدخل عمر ورسول الله يضحك، فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله، ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً آخر.
الشيطان يخاف من عمر
قال بريدة: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى؛ فقال لها رسول صلى الله عليه وسلم: إن كنت نذرت فأضربي وإلا فلا. فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت أستها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر.
شياطين الإنس والجن فروا من عمر
عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً فسمعنا لغطاً وصوت صبيان فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حبشية تزفن والصبيان حولها فقال: يا عائشة تعالي فأنظري؛ فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أنظر إليها من بين المنكب إلى رأسه فقال لي: ما شبعت؟. فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر فإرفض الناس عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر.
حمية عمر على النبي
روى أبو داود قال: قال رجل: اعدل يا محمد فإنك لم تعدل!، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟، قال عمر: دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق.
كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار؛ وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى جاهلية؟، قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة. فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها!، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعْـه!، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.
ودمعت عينا عمر
روى البخاري ومسلم: لما بعث حاطب رضي الله عنه كتاباً لأهل مكة يُخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فبعث النبي من أتى بالكتاب، فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه!؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم. أردت أن يكون لي عند القوم يـدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق، ولا تقولوا له إلا خيرًا، فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه! فقال: أليس من أهل بدر؟، لعل الله اطّلع إلى أهل بدر فقال أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم إن مثلك يا عمر كمثل نوح تكرر كثيرا من عمر رضي الله عنه قوله في شأن المنافقين: دعني أضرب عُنُقه يا رسول الله!. فقال له في حديث رواه احمد: إن مثلك يا عمر كمثل نوح قال: {ربِّ لا تذرْ على الأرْضِ مِن الْكافِرِين ديّارًا}؛ وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: {واشْدُدْ على قُلُوبِهِمْ فلا يُؤْمِنُوا حتّى يروُا الْعذاب الألِيم}.
عمر يرى الرأي فينزل به القرآن
كان عمر من أكثر الصحابة جرأة، فكثيراً ما كان يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن التصرفات التي لم يدرك حكمها، كما كان يبدي رأيه واجتهاده بكل صدق ووضوح ومن شدة فهمه واستيعابه لمقاصد القرآن الكريم نزل القرآن الكريم موافقاً لرأيه رضي الله عنه في بعض المواقف.
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد كان فيما قبلكم من الأمم وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر.
وأخرج إبن عساكر عن ابن عمر مرفوعاً: ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.
وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله وجهه قال: إن في القرآن لرأياً من رأي عمر.
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
جاء في كتاب (فضائل الإمامين) لأبي عبد الله الشيباني؛ (وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعاً):
الاول: إتخاذ مقام إبراهيم مصلى
الثاني: الحجاب.
الثالث: تحذير أمهات المؤمنين
فقد أخرج الشيخان عن عمر رضي الله عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مُصلّى، فأنزل الله تعالى ذلك، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله تعالى آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه، حتى تعظهن أنت؟، فأنزل الله: {عسى ربُّهُ إِنْ طلّقكُنّ أنْ يُبْدِلهُ أزْواجًا خيْرًا مِنْكُنّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثيِّباتٍ وأبْكارًا(5)}(سورة التحريم).
الرابع: معاتبة أزواج النبي
عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: حجّ عمر وحججت معه، فلما كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرز ثم أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت، يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: {إِنْ تتُوبا إِلى اللّهِ فقدْ صفتْ قُلُوبُكُما}؟؛ فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس، هما حفصة وعائشة. ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كان لي جار من الأنصار، وكنّا نتناوب النّزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينزل يوماً، وأنزل يوماً، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، قال: وكنا نتحدث أن غسّان تُنْعلُ الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوماً، ثم أتاني عشاءً فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم. فقلت: وماذا، أجاءت غسان؟ قال: لا بل أعظم من ذلك وأطول، طلق الرّسول نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا كائناً. حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ثم نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت أطلقكن رسول الله؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلاماً له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتُك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلاً، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثم خرج إليّ، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبراً، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك. فدخلت، فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال؟ لا. فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، فدخلت على حفصة، فقلت: لا يغرّنك إن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرُدُّ البصر إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وُسِّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالساً، ثم قال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟، أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا؛ فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل.
الخامس: الإستغفار للمنافقين
عن ابن عباس قال: لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لقوم، قال عمر: سواء عليهم، فأنزل الله: {استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.....} الآية.
السادس: ترك الصلاة على المنافقين
روى البخاري عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال: لما توفي عبد الله بن أبي دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولت حتى قمت في صدره فقلت: يا رسول الله: أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبيّ القائل يوم كذا: كذا وكذا، والقائل يوم كذا: كذا وكذا أعدد أيامه الخبيثة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى إذا أكثرت عليه، قال: أخر عني يا عمر، إني خيّرت فاخترت: قد قيل لي: {استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له زدت. ثم صلى عليه ومشى معه على قبره حتى فرغ منه، فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت الآية: {ولا تُصلِّ على أحدٍ مِنْهُمْ مات أبدًا ولا تقُمْ على قبْرِهِ إنهُم كفرُوا باللهِ ورسُولِهِ وماتُوا وهُم فاسِقُون (84)} (سورة التوبة). فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله عز وجل.
السابع: الخروج إلى بدر
لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج، فنزلت كما اشار عمر: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}.
الثامن: أسرى بدر
في أسارى بدر أشار عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلهم، فقال: يا رسول الله أخرجوك وكذبوك، قرّبهم فاضرب أعناقهم!.
قال عمر رضي الله عنه: لما كان يوم بدر وهزم الله المشركين فقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار رسول الله أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، فقال لي: ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقلت: أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم، وقادتهم. فلم يهوَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت، فأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك أنت وصاحبك؟؛ فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: للذي عَرَضَ عليَّ أصحابك من الفداء، لقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة – إشارة لشجرة قريبة منهم. فقد أنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عَذَابٌ عَظِيمٌ(67)} (سورة الأنفال).
التاسع: الاستئذان قبل الدخول
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غلاماً من الأنصار إلى عمر بن الخطاب. وقت الظهيرة ليدعوَه، فدخل عليه وكان نائماً وقد انكشف بعض جسده، فقال عمر: اللهم حرّم الدخول علينا في وقت نومنا وفي (رواية) قال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ (58)} (سورة النور). العاشر: السؤال عن الخمر
الحادي عشر: منع السكارى من الصلاة
لما نزل قول الله تعالى: {يسْألُونك عنْ الْخمْرِ والْميْسِرِ(219)} (سورة البقرة). قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في النساء {ياأيُّها الّذِين آمنُوا لا تقْربُوا الصّلاة وأنْتُمْ سُكارى(43)} (سورة النساء) فكان منادي النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران.
الثاني عشر: تحريم الخمر
لما قرئت على عمر آية {ياأيُّها الّذِين آمنُوا لا تقْربُوا الصّلاة وأنْتُمْ سُكارى} قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية: {إنـما يُريدُ الشيطانُ أن يُوقِع بينـكُم العداوة والبغضاء فِي الخمرِ والميسِرِ ويصُدكُم عن ذِكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ فهلْ أنْتُمْ مُنتهُون(91)} (سورة المائدة). فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ {فهلْ أنْتُمْ مُنتهُون} قال عمر: انتهينا، انتهينا. ففي قوله تعالى: {فهلْ أنْتُمْ مُنتهُون} فهم عمر من الاستفهام الاستنكاري بأن المراد به التحريم، لأن هذا الاستفهام أقوى وأقطع في التحريم من النهي العادي، ففي ألفاظ الآية وتركيبها وصياغتها تهديد رهيب في التحريم.
الثالث عشر: حديث الإفك
في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟؛ سبحانك هذا بهتان عظيم.
فنزلت كذلك.
الرابع عشر: إباحة جماع الزوجة ليلة الصيام
جامع عمر زوجته بعد الانتباه، وكان ذلك محرماً في أول الإسلام، فنزل: {أحل لكم ليلة الصيام....} الآية.
الخامس عشر: عدو الرسل والملائكة
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال أن يهودياً لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، فقال له عمر: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين، فنزل على لسان عمر قوله تعالى: {من كان عدوا لجبريل....} الآية. –
السادس عشر: قتل من لا يرضى بحكم النبي
اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه، فقال الرجل: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذاك قال؟، قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال (ردنا إلى عمر) فقتله، وأدبر الآخر، فقال: يا رسول الله، قتل عمر صاحبي: فقال ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن، فأنزل الله: {فلا وربك لا يؤمنون....}، الآية؛ فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله.
السابع عشر: وصف عمر لليهود
وافق القرآن قول عمر في اليهود: إنهم قوم بهت .
الثامن عشر: ثلة من الأولين
أخرج ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله ان الفرأن وافق عمر كلام عمر في قوله تعالى {ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين}.
التاسع عشر: رفع تلاوة آية
بسبب دعاء عمر تم رفع تلاوة {الشيخ والشيخة إذا زنيا}.
العشرون: فضل الجهاد
سأل عمر الرسول صلى الله عليه وسلم عن افضل الاعمال؛ فأنزل الله هذه الآية: {الّذِين آمنُوا وهاجرُوا وجاهدُوا فِي سبِيلِ اللّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنفُسِهِمْ أعْظمُ درجةً عِنْد اللّهِ وأُوْلئِك هُمْ الْفائِزُون(20)} (سورة التوبة)
الواحد والعشرون: تبارك الله أحسن الخالقين
قال عمر: نزلت هذه الآية: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} الآية، فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: {فتبارك الله أحسن الخالقين}.
عمـــر والأذان
جاء في الكامل لابن عدي من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن عمر أن بلالاً كان يقول إذا أذن: أشهد أن لا إله إلا الله، حي على الصلاة، فقال له عمر: قل في أثرها أشهد أن محمداً رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل كما قال عمر.
عمر وكعـب الأحبار
أخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب (الرد على الجهمية) من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها؛ فخر عمر ساجداً.
مرض النبي صلى الله عليه وسلم
ويحك! ماذا صنعت بي
قال عبد الله بن زمعة: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه بلال رضي الله عنه يدعوه إلى الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: مروا من يصلي بالناس. قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، قال: فقام، فلما كبر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، وكان عمر رجلاً مجهراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين أبو بكر، يأبى الله ذلك والمسلمون، فأبى الله ذلك والمسلمون. فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس، فقال لي عمر: ويحك!! ماذا صنعت بي يا ابن زمعة؟، والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمر بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس، فقلت: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكني حين لم أر أبا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة.
عن إبن عمر قال: لما إشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم المرض قيل له: الصلاة. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق القلب، وإنه إذا قام في مقامك لا يكاد يسمع الناس من البكاء؛ فلو أمرت عمر؟. فقال: مروا أبا بكر فليصل. فعاودته فقال: مروه فليصل فإنكن صويحبات يوسف.
إعترض الفاروق فأقره الرسول
قال ابن عباس: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده. قال عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا!. فاختلفوا وكثر اللّغط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه.
وقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي صلى الله عليه وسلم به. فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن، وقيل: أراد كتاباً يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الإتفاق على المنصوص عليه. وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول. أما كلام عمر رضي الله عنه فقد اتفق العلماء المتكلمون على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره فقد قال: حسبنا كتاب الله، لقوله تعالى: {ما فرّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شيْءٍ(38)} (سورة الأنعام)، وقوله: {الْيوْم أكْملْتُ لكُمْ دِينكُمْ (3)} (سورة المائدة)، فقد علم أن الله تعالى أكمل دينه، فأمن الضلال على الأمة، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه.
قال الخطابي: ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال. لقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش. فأما إذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد.
قال الشيخ علي الطنطاوي: والذي أراه أن عمر قد تعود خلال صحبته الطويلة للرسول أن يبدي له رأيه لما يعلم من إذنه له بذلك ولرضاه عنه، وقد مر من أخبار صحبته، مواقف كثيرة كان يقترح فيها على رسول الله أموراً، ويطلب منه أموراً، ويسأله عن أمورٍ، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقره على ما فيه الصواب، ويرده عن الخطأ، فلما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ائتوني أكتب لكم كتاباً، اقترح عليه عمر على عادته التي عوده الرسول، أن يكتفي بكتاب الله، فأقره الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان يريد الكتابة، لأسكت عمر، ولأمضى ما يريد.
موت النبي صلى الله عليه وسلم
كانت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم صدمة مروعة لكثير من المسلمين خاصة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.
مات النبي فعقر عمر
قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما توفي رسول الله قام عمر إبن الخطاب فقال: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله في بيت عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت، عليه بردة حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أقبل عليه فقبله، ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، قال: ثم رد البردة على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر، أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت، أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: إنه من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا قول الله تعالى: {وما مُحمّدٌ إِلاّ رسُولٌ قدْ خلتْ مِنْ قبْلِهِ الرُّسُلُ أفإِيْن مات أوْ قُتِل انْقلبْتُمْ على أعْقابِكُمْ ومنْ ينْقلِبْ على عقِبيْهِ فلنْ يضُرّ اللّه شيْئًا وسيجْزِي اللّهُ الشّاكِرِين(144)} (سورة آل عمران). قال أبو هريرة: قال عمر: فوالله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.
مبايعة الفاروق للصديق
عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت الأنصار إلى سعد إبن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر. وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس. فقال في كلامه نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً. وعندما ارتفعت الأصوات في السقيفة وكثر اللغط خشي عمر الاختلاف، وخشي أن يُبْدأ بالبيعة لأحد الأنصار فتحدث الفتنة العظيمة؛ لأنه ليس من اليسير أن يبايع أحد بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار، فأسرع عمر رضي الله عنه إخماداً للفتنة، وقال للأنصار: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟، فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر؛ فبادر رضي الله عنه وقال لأبي بكر: ابسط يدك، فبسط يده فبايعه، وبايعه المهاجرون والأنصار.
في اليوم التالي جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهداً عهده إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيُدبّر أمرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقوموا فبايعوا فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة.
مراجعات الفاروق للصديق
مراجعته في محاربة مانعي الزكاة
حال موت النبي صلى الله عليه وسلم إرتدت قبائل بني أسد وبني تميم، ومنعت قبائل عبس وذبيان الزكاة، فرأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يحارب كلا الفرقتين؛ ورأى سيدي الفاروق عدم مقاتلة مانعي الزكاة والإستعانة بهم في قتال المرتدين.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر بعده؛ وكفـر من كفر من العرب، قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وســلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله؟. قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا، كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
مراجعته في إرسال جيش أسامة
عندما اقترح بعض الصحابة على أبي بكر بأن يبقى جيش أسامة حتى تهدأ الأمور أرسل أسامة من معسكره من الجرف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى أبي بكر يستأذنه أن يرجع بالناس وقال: إن معي وجوه المسلمين وجلتهم، ولا آمن على خليفة رسول الله، وحرم رسول الله، والمسلمين أن يتخطفهم المشركون، ولكن أبا بكر خالف ذلك وأصرّ على أن تستمر الحملة العسكرية في تحركها إلى الشام مهما كانت الظروف والأحوال والنتائج.
مراجعته في أمارة أسامة للجيش
طلبت الأنصار رجلاً أقدم سناً من أسامة يتولى أمر الجيش وأرسلوا عمر بن الخطاب ليحدث الصديق في ذلك فقال عمر رضي الله عنه فإن الأنصار تطلب رجلاً أقدم سناً من أسامة رضي الله عنه فوثب أبو بكر رضي الله عنه وكان جالساً وأخذ بلحية عمر رضي الله عنه وقال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله وتأمرني أن أعزله، فخرج عمر رضي الله عنه إلى الناس فقالوا: ما صنعت؟ فقال: امضوا ثكلتكم أمهاتكم!، ما لقيت في سببكم من خليفة رسول الله.
اعتراضه على إقطاع الصديق
أرضاً جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالا: يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، لعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا، إن كانت أرضاً سبخة لا ينتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها، لعل الله ينفع بها بعد اليوم. فأقطعهما إياها، وكتب لهما بذلك كتاباً، وأشهد عمر، وليس في القوم، فانطلقا إلى عمر يشهدانه، فوجداه قائماً يهنأ بعيراً له (يطليه بالقطران)، فقالا: إن أبا بكر أشهدك على ما في الكتاب فنقرأ عليك أو تقرأ؟ فقال: أنا على الحال الذي تريان، فإن شئتما فاقرءا وإن شئتما فانظرا حتى أفرغ، فأقرأ عليكما قالا: بل نقرأ فقرءا فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما ثم تفل عليه فمحاه، فتذمرا، وقالا مقالة سيئة، فقال: إن رسول الله كان يتألفكما، والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فأجهدا جهدكما، لا رعى الله عليكما إن رعيتما. فأقبلا إلى أبي بكر وهما يتذمران فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر: فقال: لا، بل هو لو كان شاء. فجاء عمر وهو مغضب فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين أرض هي لك خاصة أم للمسلمين عامة. قال: بل للمسلمين عامة. قال: فما حملك أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟ قال: استشرت هؤلاء الذين حولي فأشاروا علي بذلك. قال: فإذا استشرت هؤلاء ، أفكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضى؟. فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد كنت قلت لك إنك على هذا أقوى مني، ولكن غلبتني.
الفاروق يشير على الصديق بجمع القرآن
عن زيد بن ثابت قال: بعث إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال: إن عمر بن الخطاب قد أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن يوم اليمامة وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها فيذهب قرآن كثير وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن؛ فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: هو والله خير فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر ورأيت فيه الذي رأى. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فتتبع القرآن؛ قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي من ذلك. قال: قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني في ذلك أبو بكر وعمر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرهما. فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والعسب واللخاف يعني الحجارة وصدور الرجال فوجدت آخر سورة براءة (التوبة) مع خزيمة بن ثابت {لقدْ جاءكُمْ رسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عزِيزٌ عليْهِ ما عنِتُّمْ حرِيصٌ عليْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين رءُوفٌ رحِيمٌ(128) فإِنْ تولّوْا فقُلْ حسْبِي اللّهُ لا إِله إِلا هُو عليْهِ توكّلْتُ وهُو ربُّ الْعرْشِ الْعظِيمِ(129)}. (سورة التوبة).
نلتقي إن شاء الله ونواصل القطف بإذن الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق