السبت، 12 أكتوبر 2013


القطف المستطاب
من سيرة سيدي  إبن الخطاب
(5)
جمع وإعداد وترتيب مصطفى دارنتود

إجتهادات الفاروق الفقهية
الشورى في الأمور الفقهية
     ترك الفاروق الحرية للصحابة يبدون آراءهم في المسائل الاجتهادية ولم يمنعهم من الاجتهاد ولم يحملهم على رأي معين. وكان يستشير النساء في المسائل النسائية لمعرفتهم بإمور النساء، وكان يستشير الشباب فيما يعضل عليه لحدة عقولهم.
     أثّر عمر رضي الله عنه في المؤسسة القضائية باجتهاداته في مجال القصاص والحدود والجنايات والتعزير في ما ليس فيه نص قاطع. وله مسائل كثيرة في الفقه الإسلامي اختارها ومال إليها وهذه بعضها:
مسألة المشرّكة
     إذا كان زوج وأم، وإخوة من أم، وإخوة من أب وأم، فهذه المسألة في علم المواريث اختلف فيها العلماء، فيروى عن عمر وعثمان وزيد إبن ثابت رضي الله عنهم أنهم شركوا بين ولد الأبوين وولد الأم في الثلث، فقسموه بينهم بالسوية للذكر مثل حظ الأنثيين، ويروى أن عمر كان أسقط ولد الأبوين فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حماراً أليست أمنا واحدة، فشرك بينهم وهذه المسألة تسمى المشرّكة وتسمّى (الحمارية) لما تقدم.
الحجر الصحي
     عن عبد اللّه بن عباس أن عمر خرج إلى الشام فلقيه أمراء الأجناد فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، دعا عمر المهاجرين الأولين والأنصار فإستشارهم فإختلفوا قال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: إرتفعوا عني، ثم نادى في الناس: إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه؛ قال أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله يا امير المؤمنين؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت المجدبة رعيتها بقدر الله؟؛ فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته فقال: عندي في هذا علماً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فحمد عمرُ الله ثم انصرف.
ومن إختياراته الفقهية
جلد الميتة: اختار عمر رضي الله عنه أن جلد الميتة يطهر بالدباغ إذا كانت طاهرة في حال الحياة.
الصلاة في جلود الثعالب: اختار عمر رضي الله عنه كراهة ذلك.
السواك للصائم: اختيار عمر رضي الله عنه يستحب السواك للصائم.
وقت الجمعة: اختيار أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس.
التكبير في العيد: اختيار عمر أن التكبير في العيد من فجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق.
المشي أمام الجنازة: اختيار عمر المشي أمام الجنازة أفضل.
الزكاة على الصبي والمجنون: اختياره وجوب الزكاة عليهما.
إيفاء الدين بالرهن: اختياره أنه إذا شرط أنه متى حل الحق ولم يوف فالرهن بالدين، فهو مبيع بالدين، الذي عليك، فهو شرط فاسد.
وجود عين مال الغريم عند المفلس: اختيار عمر إذا وجد الغريم عين ماله عند المفلس فهو أحق بها.
السلم في الحيوان: اختيار لا يصح السلم في الحيوان.
ضمانة الدابة: اختيار عمر أن عين الدابة تضمن بربع قيمتها.
الشفعة: اختيار عمر أن الشفعة لا تكون إلا في المشاع غير المقسوم، فأما الجار فلا شفعة له.
الهبة: اختياره لا تلزم الهبة إلا بالقبض.
واختياره من وهب لغير ذي رحم فله الرجوع ما لم يُثب عليها. واختياره من وهب لذي رحم فليس له الرجوع.
اللقطة: اختياره أن مدة تعريف اللقطة سنة.
          واختياره جواز أخذ اليسير منها والانتفاع به من غير تعريف.
          واختياره أن اللقطة إذا عرفها المدة المعتبرة، فلم يعرف مالكها، صارت كسائر أمواله غنياً كان أو فقيراً.
         واختياره أن لقطة الحل والحرم سواء.
         واختياره اللقيط يقر بيد من وجده إن كان أميناً.
الرجوع في الوصية: اختياره جواز الرجوع في الوصية وقال: يغير الرجل ما شاء من وصيته.
الكلالة: اختيار عمر أن الكلالة اسم للميت الذي لا ولد له ولا والد.
نصيب الجدات: اختياره أن للجدات وإن كثرت السدس.
نصيب أم وأخت وجد: اختيار عمر في أم وأخت وجد؛ للأخت النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي للجد.
نصيب زوج وأبوان: اختيار عمر إذا كان زوج وأبوان؛ أعطي الزوج النصف، والأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب وإذا كانت زوجة وأبوان أعطيت الزوجة الربع، والأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب وهاتان        المسألتان تسميان بالعمريتين، لأن عمر قضى فيهما بهذا.
نصيب ذوي الأرحام: اختيار توريث ذوي الأرحام إذا لم يكن ذوي فرض ولا عصبة.
من أحكام الفاروق القضائية
فقه الفيضانات والسيول
     قدم سيدي عمر رضي الله عنه مكة فأقبل أهل مكة يسعون، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن أبا سفيان أبتنى داراً، فحبس عنا مسيل الماء ليهدم منازلنا. فأقبل سيدي عمر ومعه الدرة، فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً فقال: ارفع هذا، فرفعه؛ ثم قال: وهذا ... وهذا، حتى رفع أحجاراً كثيرة؛ ثم أستقبل عمر الكعبة وقال: الحمد لله الذي جعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه.
تزوير الخاتم الرسمي للدولة
     حدث في عهد الفاروق رضي الله عنه أمر خطير لم يحدث من قبل، ذلك أن معن بن زائدة استطاع أن يزور خاتم الدولة بنقشه مثله وأخذ به مالاً من بيت مال المسلمين ورفع أمره إلى عمر رضي الله عنه، فضربه عمر مائة وحبسه، فكلم فيه فضربه مائة أخرى، فكلم فيه من بعد فضربه مائة ونفاه.
رجل سرق من بيت المال بالكوفة
     لم يقطع عمر من سرق من بيت المال، فقد سأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال: أرسله فما من أحد إلا وله في هذا المال حق، وجلده تعزيراً.
السرقة في عام الرمادة
     سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة في عام الرمادة ناقة لرجل مزني فنحروها وأكلوها ورفع الأمر إلى الفاروق، فطلب الغلمان فاعترفوا أنهم سرقوها من حرز والذين سرقوا عقلاء مكلفون ولم يدعوا ضرورة ملجئة للسرقة، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ولكنه وهو يعيش عام الرمادة ويرى حال الناس التمس لهم عذراً فقال لمولاهم: إني أراك تجيعهم؟، واكتفى بذلك وأوقف القطع وأمر للمزني بثمن ناقته مضاعفة فقد درء الحد عنهم للضرورة.
مجنونة زنت
     أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار الناس فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب فقال: ارجعوا بها؛ ثم أتاه فقال: أما علمت أن القلم قد رفع عن المجنون، فذكر الحديث، قال: بلى قال فما بال هذه ترجم؟ فأرسلها، وجعل عمر يكبر.
ذمي استكره مسلمة على الزنا
حدث ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه، فصلبه لأنه خالف شروط العهد.
إكراه نساء على الزنا
     أتي عمر بإماء من إماء الإمارة استكرههنّ غلمان من غلمان الإمارة فضرب الغلمان ولم يضرب الإماء، وأتي عمر بامرأة زنت فقال: إني كنت نائمة فلم أستيقظ إلا برجل قد جثم علي، فخلى سبيلها ولم يضربها، فهذه شبهة والحدود تدرأ بالشبهات ولا فرق بين الإكراه بالإلجاء وهو أن يغلبها على نفسها وبين الإكراه بالتهديد بالقتل، فقد حدث في عهد عمر: أن امرأة استسقت راعياً فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها ففعلت فرفع ذلك إلى عمر فقال لعلي: ما ترى فيها؟ قال: إنها مضطرة فأعطاها عمر شيئاً وتركها.
حكم من جهل تحريم الزنا
     عن سعيد بن المسيب: أن عاملاً لعمر بن الخطاب كتب إلى عمر يخبره: أن رجلاً اعترف عنده بالزنى؟، فكتب إليه عمر، أن سله: هل كان يعلم أنه حرام، فإن قال: نعم، فأقم عليه الحد، وإن قال: لا، فأعلمه أنه حرام، فإن عاد فاحدده.
تزوجها في عدتها وهما لا يعلمان التحريم
     تزوجت امرأة في عدتها فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فضربها دون الحد وفرق بينهما، وجلد الزوج تعزيراً.
امرأة تزوجت ولها زوج كتمته
     رجمها عمر، وجلد الزوج مائة سوط، ولم يُرْجم للجهالة.
اتهام المغيرة بن شعبة بالزنا
     فشهد عليه ثلاثة وتراجع الرابع فقال عمر: الحمد لله الذي لم يشمت الشيطان بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وأقام حد القذف على الشهود الثلاثة لأن الشهادة لم تكتمل بالثلاثة.
حكم من تسرت بغلامها
     تسرت امرأة بعبدها، فقيل لها، فقالت: أليس الله يقول {وما ملكتْ أيْمانُكُمْ} فهذا ملك يميني ورفع الأمر إلى عمر رضي الله عنه فقال لها: لا يحل لك ملك يمينك، وفي رواية وفرق بينهما وجلدها مئة تعزيراً لا حداً، وقد أسقط عمر عنها الحد لجهلها بالتحريم.
امرأة اتهمت زوجها بجاريتها
     اتهمت امرأة زوجها بجاريتها ثم اعترفت بأنها وهبتها له، فحكم عمر رضي الله عنه؛ بإقامة حد القذف على المرأة ثمانين جلدة.
إقامة حد القذف بالتعريض
     حدث في عهد الفاروق أن عرّض أحد الأشخاص بآخر فقال له: ما أبي بزان ولا أمي بزانية، فاستشار عمر في ذلك فقال قائل: مدح أباه وأمه، وقال آخرون: كان لأبيه وأمه مكان غير هذا، نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين جلدة، فعمر رضي الله عنه قد جلد الحد بالتعريض لأن القرينة كانت واضحة، فقد كان الرجل يعرّض بصاحبه لأن الحال تبين لك فهو ما قال إلا بعد سب ومخاصمة.
إهدار دم اليهودي المعتدي على العرض
     كان شابان صالحان متآخيان في عهد عمر رضي الله عنه، فأغزى أحدهما فأوصى أخاه بأهله، فأنطلق ذات ليلة إلى أهل أخيه يتعهدهم فإذا سراج في البيت يزهر، وإذا يهودي في البيت مع أهل أخيه فرجع الشاب إلى أهله فاشتمل على السيف حتى دخل على أهل أخيه، فقتل اليهودي ثم جرده فألقاه في الطريق، فأصبح اليهود وصاحبهم قتيل لا يدرون من قتله، فأتوا عمر بن الخطاب، فدخلوا عليه، وذكروا ذلك له، فنادى عمر في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أنشد الله رجلاً علم من هذا القتيل علماً إلا أخبرني به فقام الشاب وأخبره، فقال عمر: لا يقطع الله يديك، وأهدر دمه.
قتيل الله لا دية له
     روى عبد الرزاق في مصنفه والبيهقي في سننه: أن رجلاً استضاف ناساً من هذيل، فأرسلوا جارية تحتطب لهم، فأعجبت المضيف فتبعها، فأرادها على نفسها، فامتنعت، فعاركها ساعة، فانفلتت منه، انفلاتة فرمته بحجر، ففضت كبده فمات، ثم جاءت إلى أهلها فأخبرتهم، فذهب أهلها إلى عمر فأخبروه، فأرسل عمر، فوجد آثارهما فقال: قتيل الله لا يودى أبداً فهو رضي الله عنه قد أهدر دم ذلك المعتدي فلا قصاص ولا دية ولا كفارة.
لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم
     عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن غلاماً قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم. وفي رواية: إن أربعة قتلوا صبياً فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم، وهذا الحكم لم يوجد فيه نص من كتاب ولا سنة ولم يوجد أثر عن الصديق أنه قضى بمثله، وإنما بنى حكمه على فهمه لمقاصد الشريعة والتي جاءت لحفظ أمن المجتمع واستقراره، إذ أن الدماء ليست أمراً هيناً، ولذلك يقتضي العدل، ومصلحة الأمة، ومقاصد الشريعة القصاص إذا ثبت أن الجميع تواطئوا على قتله وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من الأئمة الأربعة وسعيد بن المسيب والحسن وأبي سلمة وعطاء وقتادة والثوري، والأوزاعي وغيرهم، وهذا الرأي هو الأرجح والأولى بالاتباع وذلك لقوة الدليل في فعل عمر وإجماع الصحابة ولما فيه من حكمة في ردع وزجر الناس وحفظ النفوس في المجتمع.
عقوبة الساحر القتل
     كتب عمر رضي الله عنه إلى عماله أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، ونفذ ذلك وكان إجماعاً من الصحابة.
من قتل ولده متعمداً
     حكم عمر رضي الله في من قتل ولده بدفع الدية.
حكم مسلم قتل ذميا
     حكم على مسلم بالشام قتل ذمياً بالقتل قصاصاً.
الجمع بين الدية والقسامة
     القسامة هي الأيمان المكررة في دعوى القتل من أولياء القتيل أو المدعى عليهم، وقد أخرج البيهقي عن الشعبي: أن قتيلاً وجد بين وادعة وشاكر، فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم خمسين يميناً، كل رجل: ما قتلته ولا علمت قاتله، ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا فقال عمر: كذلك الحق.
الإستتابة
     لما أُتي عمر بفتح (تستر) قال: هل كان شيء؟ قالوا: نعم رجل ارتد عن الإسلام. قال: فما صنعتم به قالوا: قتلناه. قال: فهلا أدخلتموه بيتاً وأغلقتم عليه وأطعمتموه كل يوم رغيفاً فاستتبتموه فإن تاب وإلا قتلتموه، ثم قال: اللهم لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض، ولم أُسر إذ بلغني.
إحراق حانوت الخمر
     عن يحيى بن سعيد بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجد عمر في بيت رجل من ثقيف شراباً فأمر به فأحرق، وكان يقال له رويشد فقال: أنت فويسق.
     وقال ابن القيم: وحرق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حانوت الخمر بما فيه، وحرق قرية تباع فيها الخمر.
عدم كشف ستر ما ستره الله
     أتى عمر رضي الله عنه رجل فقال: إن ابنة لي كنت وأدتها في الجاهلية فاستخرجناها قبل أن تموت، فأدركت معنى الإسلام فأسلمت، ثم أصابها حد من حدود الله، فأخذت الشُّفرة لتذبح نفسها، وأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برأت، ثم أقبلت بعد توبة حسنة، وهي تخطب إلى قوم، أفأخبرهم بالذي كان؟؛ فقال عمر رضي الله عنه: أتعمد إلى ما ستره الله فتبديه؟، والله لئن أخبرت بشأنها أحداً لأجعلنك نكالاً لأهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة.
من طلق زوجته ليحرمها من الميراث
     عن سالم عن أبيه أن غيلان الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعاً، فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأرسل إليه عمر فقدم عليه، فقال له: إني أظهر أن الشيطان فيما يسترق السمع سمع بموتك فقذف في قلبك أنك تموت، فحملك مبادرة ذلك على ما صنعت، وإني والله لأظنك لا تلبث بعد أن تقوم عن حضري هذا  حتى تموت، وايم الله لئن مت قبل أن تراجع نساءك وترجع مالك لأورثن نساءك من مالك، ثم لأرجمن قبرك حتى أجعل عليه مثل ما على قبر أبي رغال، فراجع نساءه - ولم يكن بت طلاقهن- وارتجع ماله الذي قسم بين بنيه، ثم ما لبث أن مات.
جعل حد الخمر ثمانين جلدة
     كثرت الفتوحات الإسلامية زمن الفاروق فقد تم فتح العراق وإيران والشام ومصر وليبيا وتحسنت أحوال الناس، ودخل كثير من الناس الإسلام ولم يأخذوا التربية الإسلامية الكافية والتفقه في الدين فكثر في الناس شرب الخمر وكانت مشكلة.
     قال ابن القيم: أن خالد بن الوليد بعث وبرة الصليتي من الشام إلى عمر قال فأتيته وعنده طلحة والزبير إبن العوام، وعبد الرحمن بن عوف متكئون في المسجد فقلت له: إن خالد بن الوليد يقرأ عليك السلام ويقول لك إن الناس قد انبسطوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فما ترى. فقال عمر: هم هؤلاء عندك. قال: فقال عليّ: أراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون فأجمعوا على ذلك فقال عمر: بلغ صاحبك ما قالوا، فضرب خالد ثمانين وضرب عمر ثمانين.
أقل مدة الحمل وأكثره
     رفعت إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر، فأراد عمر أن يرجمها، فجاءت أختها إلى عليّ فقالت: إن عمر همّ برجم أختي، فأنشدك الله إن كنت تعلم لها عذراً لما أخبرتي به، فقال علي: إن لها عذراً، فكبرت تكبيرة سمعها عمر ومن عنده، فانطلقت إلى عمر فقالت: إن علياً زعم أن لأختي عذراً، فأرسل عمر إلى علي: ما عذرها؟، فقال إن الله يقول: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} ويقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} فالحمل ستة أشهر والفصال أربعة وعشرون شهراً فخلى عمر سبيلها.
     وقد يبقى الحمل في بطن أمه أكثر من تسعة أشهر، فقد رفعت لعمر امرأة غاب عنها زوجها سنتين، فجاء وهي حبلى، فهم عمر برجمها فقال له معاذ بن جبل: يا أمير المؤمنين إن يك لك السبيل عليها، فليس لك السبيل على ما في بطنها، فتركها عمر حتى ولدت غلاماً قد نبتت ثناياه، فعرف زوجها شبهه به، قال عمر: عجز النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ هلك عمر.
     ويظهر أن عمر كان يرى أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، لأنه قضى في امرأة المفقود أنها تتربص أربع سنين، ثم تعتد عدة الوفاة.
     قال ابن قدامة حاكياً مذهب عمر في ذلك: المفقود تتربص زوجته أربع سنين أكثر مدة الحمل، ثم تعتد للوفاة أربعة أشهر وعشراً وتحل للأزواج.
أمرأة ليس لها من زوجها نصيب
     عن قتادة قال: جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك، فقال كعب بن سوار: لقد شكت، فقال عمر: كيف؟ قال تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب، قال: فإذا قد فهمت ذلك فاقض بينهما، فقال: يا أمير المؤمنين أحل الله له من النساء أربعاً، فلها من كل أربعة أيام يوم، ومن كل أربع ليال ليلة.
         كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟
     قال ابن جريج أن عمر كان يطوف فسمع امرأة تقول:
 تطاول هذا الليل واسود جــانبه     وأرقني أن لا ضجيع ألاعـــــبه
 فوالله لولا الله تخـشى عـواقـبه     لزحزح من هذا السرير جوانبه
فقال عمر: مالك؟؛ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه، قال: أردت سوءاً؟، قالت: معاذ الله، قال: فاملكي عليك نفسك، فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه، ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فافرجيه عني؟ كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت، قال: فإن الله لا يستحي من الحق، فأشارت بيدها ثلاثة أشهر، وإلا فأربعة أشهر، فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.
         اللهم غفرا؛ً كل إنسان أفقه من عمر
     وخطب ذات يوم، فقال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي القصة فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة معترضة على ذلك: ما ذاك لك، قال: ولم؟ قالت: لأن الله تعالى قال: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(20)} (سورة النساء) فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وجاء في رواية: أنه قال: اللهم غفراً كل إنسان أفقه من عمر.
         أمير المؤمنين يستشير الشباب
     قال يوسف بن الماجشون: قال لي إبن شهاب ولأخ لي ولإين عم لي ونحن صبيان: لا تستحقروا أنفسكم لحداثة سنكم فإن عمر بن الخطاب كان إذا أعياه الأمر المعضل دعا الأحداث فأستشارهم.
أوائل الفاروق
     سيدي الفاروق رضي الله عنه هو:
أول من كتب التاريخ الهجري
وأول من اتخذ بيت المال
وأول من اتخذ الديوان
وأول من سن قيام شهر رمضان
وأول من عس بالليل
وأول من عاقب على الهجاء
وأول من ضرب في الخمر ثمانين
وأول من حرم زواج المتعة
وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد
وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات
وأول من فتح الفتوح
إستشهاد الفاروق
بشارة النبي للفاروق بالشهادة
      قال أنس بن مالك رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم جبل أحد ومعه أبو بكر و عمر وعثمان، فرجف بهم. فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله، وقال له: اثبت أُحُد: فإنما عليك نبيّ، وصديق، وشهيدان. وهذه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه بأنه الصِّدِّيق، ولِعمر وعثمان رضي الله عنهما بأنهما يموتان شهيدين.
         طلب الفاروق للشهادة
     عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد نبيك.
       الفاروق يقدم إستقالته المسببة لرب العالمين
     عن سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه لما نفر من منى أناخ بالأبطح فكوم كومة من بطحاء، فألقى عليها طرف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء فقال: اللهم كُبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيّتي، فأقبضني غير مضيِّع، ولا مفرط.
     وكان ذلك سنة 23هـ  في في آخر حجة لسيدي الفاروق وقد أستشهد الفاروق بعدها بأيام.
         رؤيا أبي موسى الأشعري حول وفاة عمر
     قال أبو موسى الأشعري قال: رأيت كأني أخذت جواداً كثيراً فجعلت تضمحل حتى بقيت واحدة، فأخذتها فانتهيت إلى جبل زلق، فإذا رسول الله  .
صلى الله عليه وسلم إلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال، قيل: ألا تكتب بها إلى عمر؟ فقال: ما كنت لأنعي له نفسه.
         رؤيا عمر بدنو أجله
     ذكر عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام على المنبر يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أبا بكر رضي الله عنه ثم قال: رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي رأيت كأن ديكا نقرني نقرتين؛ قال: وذكر لي أنه ديك أحمر فقصصتها على أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر رضي الله عنهما فقالت: يقتلك رجل من العجم قال: وإن الناس يأمرونني أن أستخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه وخلافته التي بعث بها نبيه صلى الله عليه وسلم وإن يعجل بي أمر فإن الشورى في هؤلاء الستة الذين مات نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فمن بايعتم منهم فاسمعوا له وأطيعوا.
     (والستة هم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن إبن عوف، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعاً. وترك سعيد بن زيد بن نفيل وهو من العشرة المبشرين بالجنة ولعله تركه لأنه من قبيلته بني عدي).
كان هذا يوم الجمعة 21 ذي الحجة 23هـ وهي آخر خطبة فقد أصيب رضي الله عنه يوم الأربعاء التالي.
       المجوسي الإيراني يتوعد الفاروق
     عن إبن سعد عن الزهري أنه قال: أن عمر رضي الله عنه قال لهذا المجوسي ذات يوم: ألم أُحدّث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح، فالتفت إليه المجوسي عابساً وقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فأقبل عمر على من معه فقال: توعدني العبد.
         المجوسي يطعـن الفاروق
     أواخر شهر ذي الحجة من عام 23هـ  وبينما سيدي الفاروق يؤم الناس في صلاة الفجر بالمسجد النبوي طعنه أبو لؤلؤة الإيراني.
     قال أبو رافع رضي الله عنه: كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة وكان يصنع الأرحاء (جمع رحا)، وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم، فلقي أبو لؤلؤة عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد أثقل عليّ غلتي، فكلِّمه أن يخفف عني. فقال عمر: اتق الله، وأحسن إلى مولاك. ومن نية عمر أن يلقى المغيرة فيكلمه يخفف عنه، فغضب العبد، وقال: وسع كلهم عدله غيري. فأضمر على قتله، فاصطنع خنجراً له رأسان، وشحذه، وسمّه، ثم أتى به الهُرْمُزان، فقال: كيف ترى هذا؟، قال: أرى أنك لا تضرب به أحداً إلا قتلته. قال: فتحين أبو لؤلؤة عمر، فجاءه في صلاة الغداة حتى قام وراء عمر، وكان عمر إذا أقيمت الصلاة يتكلم يقول: أقيموا صفوفكم، فقال كما كان يقول: فلما كبّر، وجأه أبو لؤلؤة وجأةً في كتفه، ووجأة في خاصرته، فسقط عمر، قال عمرو بن ميمون رحمه الله: سمعته لما طعن يقول: {وكان أمْرُ اللّهِ قدرًا مقْدُورًا}.
     وقال عمرو بن ميمون: إني لقائم، ما بيني، وبينه إلا عبد الله بن عباس، غداة أصيب وكان إذا مرّ بين الصفين، قال استووا، فإذا استووا، تقدّم فكبّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبّر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمرُّ على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرْنساً، فلما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه للصلاة بالناس، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرُون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون: سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال عمر: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصّنع، قال: نعم، قال: قاتله الله لقد أمرت به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام قد كنت أنت وأبوك، (يريد العباس وابنه عبد الله)، تحبّان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقاً، فقال عبد الله إن شئت، فعلت، (أي: إن شئت قتلنا). قال: كذبت بعدما تكلموا بلسانكم، وصلّوا قبلتكم، وحجوا حجّكم. فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فأُتي بنبيذ (تمرة نقعت في ماء لاستعذابه) فشربه، فخرج من جوفه، ثمّ أتي بلبن فشربه فخرج من جُرْحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس فجعلوا يثنون عليه. وقال: يا عبد الله إبن عمر انظر، ما عليّ من الدّين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدّه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدّ عني هذا المال، وانطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل، يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يبقى مع صاحبيه. فسلّم عبد الله بن عمر، واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر إبن الخطاب السّلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّه به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهمُّ إليّ من ذلك. فإذا أنا قضيت فاحملني ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذن لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين.
          حقد المجوس على المسلمين
     إن ما فعله الفارسي المجوسي عدو الله والناس أبو لؤلؤة تظهر ما يضمره من حقد تجاه عمر، وتجاه المسلمين. إن الحقد الذي امتلأ به صدر هذا المجوسي لم يشفه أنه طعن أعدل الرجال وأعظمهم عمر رضي الله عنه بل طعن معه ثلاثة عشر صحابياً استشهد منهم سبعة.
          أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين
     قال ابن عباس رضي الله عنهما يصف لنا اللحظات الأخيرة في حياة الفاروق حيث يقول: دخلت على عمر حين طُعنْ، فقلت: أبشر بالجنة يا أمير المؤمنين، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقُتلت شهيداً فقال عمر: أعد عليّ، فأعدت عليه، فقال: والله الذي لا إله إلا هو، لو أن لي ما في الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطلع.
          ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي
    قال عثمان رضي الله عنه: أنا آخركم عهداً بعمر، دخلت عليه، ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر فقال له: ضع خدي بالأرض، قال: فهل فخذي والأرض إلا سواء؟ قال ضع خدي بالأرض لا أم لك، ثم شبك بين رجليه، فسمعته يقول: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي.
         الفاروق يوصي بالإقتصاد في كفنه وحفرته
     أخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه: اقتصدوا في كفني، فإنه إن كان لي عند الله خير أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، واقتصدوا في حفرتي، فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري، وإن كنت علي غير ذلك ضيقها علي تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في، فإن الله هو أعلم بي فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شراً تحملونه.
       الفاروق ينهي عن المنكر وهو على فراش الموت
     قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه عُمر بن شبة: يرحم الله عمر لم يمنعه ما كان فيه من قول الحق.
       سيدي الفاروق والتوريث
     من شدة عمر في الحق حتى بعد طعنه وسيلان الدم منه عندما قال له رجل: استخلف عبد الله بن عمر، قال: والله ما أردت الله بهذا.
       ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك
     دخل شاب عليه لما طُعن، فواساه، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدمت في الإسلام ما قد علمت، ثم وُلِّيت فعدلت، ثم شهادة، قال عمر: ودِدْت أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي. فلما أدبر إذا إزاره يمسُّ الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك.
       المعول عليه يعذب
     دخلت عليه إبنته حفصة رضي الله عنها فقالت: يا صاحب رسول الله، ويا صهر رسول الله، ويا أمير المؤمنين، فقال عمر لابن عمر رضي الله عنهما: يا عبد الله أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع، فأسنده إلى صدره، فقال لها: إنّي أحرج عليك بمالي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينك فلن أملكها. وعن أنس بن مالك قال: لما طُعن عمر صرخت حفصة فقال عمر: يا حفصة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن المعول عليه يعذب؟. وجاء صُهيب فقال: واعمراه فقال: ويلك يا صهيب أما بلغك أن المعول عليه يعذب.
       ما خلفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك
     قال ابن عباس: وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون ويصلون، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرُعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب، فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحداً أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.
      الصلاة على الفاروق ودفنه
     قال عمرو بن ميمون: فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت عائشة: أدخلوه، فأدخل فوضع هنالك مع صاحبيه.
       قال الذهبي: صلى عليه صهيب بن سنان. وعن جابر قال: نزل في قبر عمر عثمان وسعيد بن زيد، وصهيب، وعبد الله بن عمر.
      تاريخ موته ومبلغ سنه
    قال الذهبي: استشهد يوم الأربعاء لأربع أو ثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، وكانت خلافته عشر سنين ونصفاً وأياماً.
وقال معاوية: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين.
      يبك الإسلام على موت عمر
    أخرج  الطبراني عن أبي كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لي جبريل: ليبك الإسلام على موت عمر.
       الجن ناحت على عمر
     قال سليمان بن يسار: أن الجن ناحت على عمر.
المسلمون بعد الفاروق
وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ
     قال عمرو بن ميمون: وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ. يبكون وكأنهم فقدوا أبكار أولادهم
     وقال ابن عباس إنه ما مرّ بملأ إلا وهم يبكون وكأنهم فقدوا أبكار أولادهم.
       وكف الناس عن الطعام
     وقال الأحنف بن قيس: فلما طعن عمر أمر صهيباً أن يصلي بالناس، ويطعمهم ثلاثة أيام حتى يجتمعوا على رجل، فلما وضعت الموائد كف الناس عن الطعام، فقال العباس: يا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فأكلنا بعده، وشربنا ومات أبو بكر رضي الله عنه فأكلنا، وإنه لا بد للناس من الأكل والشرب، فمد يده فأكل الناس.
       قال علي: عمر خليلي وصفيي وصديقي
     قال أبي السفر: رُئي على عليّ كرم الله وجهه بُرد كان يكثر لبسه. فقيل له: إنك لتكثر لبس هذا البرد. فقال: إنه كسانيه خليلي وصفيي وصديقي وخاصّي عمر. إن عمر ناصح الله فنصحه الله. ثم بكى.
       إذا ذكرتم عمر طاب المجلس
     عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا ذكرتم عمر طاب المجلس.
     وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي، فلما دفن عمر معهما فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر.
       موت عمر ثلم الإسلام
     بكى سعيد بن زيد فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: على الإسلام، إن موت عمر ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق إلى يوم القيامة.
       بموت عمر ادبر الإسلام
     قال حذيفة بن اليمان: إنما كان مثل الإسلام أيام عمر مثل مقبل لم يزل في إقبال، فلما قتل أدبر فلم يزل في إدبار.
       بعد عمر نقص المسلمين في دينهم وفي دنياهم
     قال أبو طلحة الأنصاري: والله ما من أهل بيت من المسلمين إلا وقد دخل عليهم في موت عمر نقص في دينهم وفي دنياهم.
      نعم أخو الإسلام كنت يا عمر
     جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه بعدما صلى على عمر رضي الله عنه فقال: إن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه، فلن تسبقوني بالثناء عليه؛ ثم قال: نعم أخو الإسلام كنت يا عمر جواداً بالحق، بخيلاً بالباطل، ترضى من الرضى وتسخط من السخط، لم تكن مداحاً ولا معياباً، طيب العرْف، عفيف الطرف.
      إن ليل عمر صلاة ونهاره صيام
     قال العباس بن عبد المطلب: كنت جاراً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فما رأيت أحداً من الناس كان أفضل من عمر، إن ليله صلاة، ونهاره صيام، وفي حاجات الناس.
       ما رأيت أقرأ لكتاب الله من عمر
     عن الشعبي قال: سمعت قبيصة بن جابر يقول: صحبت عمر إبن الخطاب رضي الله عنه فما رأيت أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله، ولا أحسن مدارسة منه.
       أفيضوا في ذكر عمر يطيب المجلس
     قال الحسن البصري إذا أردتم أن يطيب المجلس فأفيضوا في ذكر عمر. وقال أيضاً: أي أهل بيت لم يجدوا فقده فهم أهل بيت سوء.
       كان إبن مسعود يبكي عمر حتى تبتل الحصى
    كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما يذكر له عمر يبكي حتى تبتل الحصى من دموعه ثم يقول: إن عمر كان حصناً للإسلام يدخلون فيه ولا يخرجون منه، فلما مات انثلم الحصن فالناس يخرجون من الإسلام.
     ما أحب أن لي ما تطلع عليه الشمس وأن أبقى بعد عمر
     كان أبو عبيدة بن الجراح يقول قبل أن يقتل عمر: إن مات عمر رق الإسلام، ما أحب أن لي ما تطلع عليه الشمس أو تغرب وأن أبقى بعد عمر، فقيل له: لم؟ قال: سترون ما أقول إن بقيتم، وأما هو فإن ولي وال بعد فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطع له الناس بذلك ولم يحملوه، وإن ضعف عنهم قتلوه.
      نور الله على عمر في قبره
     أخرج  ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.
          رؤية عمر في المنام
     أخرج  ابن عساكر  عن ابن عباس، أن العباس قال: سألت الله حولاً بعدما مات عمر أن يرينيه في المنام ، فرأيته بعد حول - و هو يسلت العرق عن جبينه-  فقلت: بأبي أنت و أمي يا أمير المؤمنين ما شأنك؟ فقال: هذا أوان فرغت، وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رؤوفاً رحيماً.
     وأخرج أيضا عن زيد بن أسلم، أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى  عمر في المنام، فقال: كيف صنعت؟ قال متى فارقتكم؟ قال: منذ اثنتي عشرة سنة، قال: إنما انفلت الآن من الحساب.
آراء بعض المستشرقين في الفاروق
     قالت عنه دائرة المعارف البريطانية:
 كان عمر حاكماً عاقلاً، بعيد النظر، وقد أدى للإسلام خدمة عظيمة.
     وقال عنه موير في كتابه الخلافة:
كانت البساطة والقيام بالواجب من أهم مبادئ عمر وأظهر ما اتصفت به إدارته عدم التحيز والتعبد وكان يقدر المسؤولية حق قدرها وكان شعوره بالعدل قوياً ولم يحاب أحداً في اختيار عماله، ومع أنه كان يحمل عصاه ويعاقب المذنب في الحال حتى قيل إن دِرة عمر أشد من سيف غيره إلا أنه كان رقيق القلب وكانت له أعمال سجلت له شفقته، ومن ذلك شفقته على الأرامل والأيتام.
     وقال عنه الأستاذ واشنجتون إيرفنج في كتابه محمد وخلفاؤه:
إن حياة عمر من أولها إلى آخرها تدل على أنه كان رجلاً ذا مواهب عقلية   عظيمة، وكان شديد التمسك بالاستقامة والعدالة، وهو الذي وضع أساس الدولة الإسلامية ونفذ رغبات النبي صلى الله عليه وسلم وثبتها، وآزر أبا بكر بنصائحه في أثناء خلافته القصيرة، ووضع قواعد متينة للإدارة الحازمة في جميع البلدان التي فتحها المسلمون، وإن اليد القوية التي وضعها على أعظم قواده المحبوبين لدى الجيش في البلاد النائية وقت انتصاراتهم لأكبر دليل على كفاءته الخارقة لإدارة الحكم وكان ببساطة أخلاقه واحتقاره للأبهة والترف، مقتدياً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وقد سار على أثرهما في كتبه وتعليماته للقواد.
    وقال عنه الدكتور مايكل هارت:
إن مآثر عمر مؤثرة حقاً، فقد كان الشخصية الرئيسية في انتشار الإسلام بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وبدون فتوحاته السريعة من المشكوك به أن ينتشر الإسلام بهذا الشكل الذي هو عليه الآن.

تكريم المجوس لعدو الله
     إن ما يحز في النفس الآن وإلى الأبد أن الفرس وهم يدعون أنهم مسلمون قد بنوا في منطقة تسمى (باغي فين) بإيران وعلى قبر وهمي مشهداً تذكارياً لعدو الله المجوسي أبو لؤلؤة كتب على جدرانه بالفارسي: (مرك بر أبو بكر، مرك بر عمر، مرك بر عثمان) ومعناه: الموت لأبي بكر، الموت  لعمر، الموت لعثمان؛ وهذا المشهد يزوره الشيعة الإيرانيين، وتُلقى فيه الأموال، والتبرعات، وقد قامت وزارة الإرشاد الإيرانية بتوسيعه وتجديده، أكثر من هذا فقد قاموا بطبع صورة المشهد على بطاقات بريدية (كروت بوستال) تستخدم لإرسال الرسائل والمكاتيب؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

المراجع
~ فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب
    المؤلف: الدكتور علي محمد الصلابي
~ عمر الفاروق أمير المؤمنين رضِي اللهُ عنْهُ
المؤلف: عصمت الله عنايت الله
~ الغرر في فضائل عمر
المؤلف: جلال الدين السيوطي  
~ قطف الثمر بشيء من سيرة أمير المؤمنين عمر
المؤلف: عبدالرحمن بن عبد الله السحيم
~ تاريخ الخلفاء
المؤلف: جلال الدين عبد الرحمن كمال الدين
~ بدء سيرة الرسول
المؤلف: محمد عبد الوهاب سليمان علي التميمي
~ سيرة إبن هشام
المؤلف: عبد الملك بن أيوب الحميري
~ الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز
المؤلف: عبد العزيز سيد الأهل
~ إشتراكية عمر
المؤلف: محمود شلبي

thank you google
شكــــــــراً قـــوقــــــــــل
   قبل ايام ارسلت لي قوقل رسالة جاء فيها :
 Notifying your followers that you've published a new blog post not only gets the conversation going, it encourages them to reshare your content with others. In this way it's critical for growing your blog's audience and engagement. But it takes time. And we want to give you that time back.
Starting today you can automatically share your blog posts publicly to Google+  as soon as you publish them, with no additional clicks.

إقرأ مدوناتي
1/  تحت ظلال النخيل
قراءة جديدة في تاريخ النوبا
2/  تحت ظلال الجميز
عن نشأة وتطور مدينة دنقلا
3/  القطف المستطاب من سيرة إبن الخطاب
نفحات من بدائع سيدي الفاروق أعظم رجل بعد الرسل والانبياء أنجبته إمرأة
4/  بندر دنقلا
حكاوي حول أهالي مدينة دنقلا
5/  اسر بندر دنقلا
عن شجرة انساب عائلات مدينة دنقلا
6/  وناسة بندر دنقلا
مواضيع ساخرة
7/  أبتا؛ البلد والاهل
شجرة انساب الاهل في أبتا
8/  شرفنكتي؛ البلد والاهل
شجرة انساب الاهل في شرفنكتي
مصطـفى دانتود
 darntood2009@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق