القطف المستطاب
من سيرة سيدي إبن الخطاب
(4)
جمع وإعداد وترتيب مصطفى دارنتود
الفاروق والحريات العامة
حرية العـقيدة
حركة الفتوحات في عهد الفاروق التي قام بها الصحابة تشهد على احترام الإسلام للأديان الأخرى، فقد حرصت القيادة العليا على عدم إكراه أحد في الدخول في الإسلام. وقد اتفق الفقهاء أن أهل الذمة لهم الحق في ممارسة شعائرهم الدينية وأنهم لا يمنعون من ذلك في بلدانهم وقراهم، لكن عليهم عدم ممارسة شعائرهم إعلاناً وجهراً كإخراجهم الصلبان في أمصار المسلمين.
حرص الفاروق على تنفيذ قاعدة حرية الاعتقاد في المجتمع ولخص سياسته حيال النصارى واليهود بقوله: وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون فيها ما بدا لهم، وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدوهم بسوء قاتلنا دونهم، وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم، إلا أن يأتوا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم وإن غيبوا عنا لم نتعرض لهم.
الأمان لبيت المقدس
حاصر جيش المسلمين بقيادة أبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان بيت المقدس شهوراًً؛ فلما ضيّقوا على سكان المدينة أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة بذلك لعمر فأناب علياً على المدينة وسار بالناس والعباس بن عبد المطلب على مقدمتهم حتى نزل بالجابية فتلقاه هناك أبو عبيدة ورؤوس الأمراء خالد بن الوليد ويزيد إبن أبي سفيان. وجاء رسل صفر نيوس أسقف بيت المقدس فصالحهم عمر ووقع معهم على معاهدة؛ وقد أورد الطبري في العهد الذي كتبه عمر إبن الخطاب رضي الله عنه لأهل إيليا (القدس) ونص فيه على إعطاء الأمان لأهل إيلياء على أنفسهم وأموالهم وصلبانهم وكنائسهم.
إمتطى أمير المؤمنين فرسه ودخل بيت المقدس وبصحبته قواده فتلقاه البطريرك صفر نيوس وكبراء المدينة فتلطف بهم سيدي الفاروق وتحدث معهم حديثاً أدخل محبته في قلوبهم. صباح اليوم التالي جاء صفر نيوس وإصطحب سيدي الفاروق في جولة في المدينة؛ وبينما الرجلان في كنيسة القيامة جاء وقت الصلاة فطلب البطريرك من أمير المؤمنين أن يصلي في الكنيسة؛ إلا أن عمر إعتذر بأنه إن فعل تبعه المسلمون على تعاقب القرون، فصلى في مكان قريب من الصخرة المقدسة حيث المسجد الأقصى الآن.
الأمان لأقباط مصر
كتب عمرو بن العاص لأهل مصر من الإسكندرية وحتى أرض النوبة عهداً جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم، وأكد ذلك العهد بقوله: على ماضي هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة وذمم المؤمنين.
القرآن والإنجيل في مبنى واحد
لأن جانب من دمشق قد فتح عنوة لذا تقاسم المسلمون مع أهل المدينة المنازل والكنائس والأموال؛ فقسموا كنيسة يوحنا المعمدان فتركوا نصفها للنصارى يقيمون فيها صلواتهم وجعلوا النصف الآخر مسجداً للمسلمين. ظلت هذه القسمة نحواً من ثمانين سنة حتى صالح عمر بن عبد العزيز نصارى دمشق أن يعطيهم جميع كنائس الغوطة مقابل تنازلهم عن ما كان لهم من كنيسة يوحنا المعمدان.
رعاية أهل الذمة
وقد ثبت عن عمر أنه كان شديد التسامح مع أهل الذمة، حيث كان يعفيهم من الجزية عندما يعجزون عن تسديدها.
عن أبي عبيد قال: مر عمر رضي الله عنه بباب قوم وعليه شيخ كبير ضرير البصر يسأل فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟، فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟؛ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. ووضع عنه الجزية وعن ضربائه، وقد كتب إلى عماله معمّماً عليهم هذا الأمر.
منع تكرار العشور (الجمارك) على نصراني
بعث عمر زياد بن حدير الأسدي على عشور (جمرك) العراق والشام وأمره أن يأخذ من المسلمين ربع العشر ومن الذميين نصف العشر. فمر عليه رجل من بني تغلب، من نصارى العرب، ومعه فرس فقومها بعشرين ألفاً وقال: أعطني الفرس وخذ مني تسعة عشر ألفاً، أو أمسك الفرس وأعطني ألفاً. فأعطاه ألفاً وأمسك الفرس. ثم مر عليه راجعاً في سنته نفسها فقال: إعطني ألفاً أخرى. فقال له التغلبي: كلما مررت بك تأخذ ألفاً؟!. قال: نعم. فرجع التغلبي إلى عمر فوافاه في مكة وهو في بيت له فأستأذن عليه فقال: من أنت؟. قال: رجل من نصارى العرب. وقص عليه قصته فقال عمر: كفيت. ولم يزده عمر على ذلك.فرجع الرجل إلى زياد وقد وطن نفسه أن يعطيه ألفاً أخرى؛ فوجد كتاب عمر قد سبق إليه وفيه يقول: من مر عليك فأخذت منه فلا تأخذ منه شيئاً إلى مثل ذلك اليوم من قابل إلا أن أن تجد فضلاً. فقال الرجل: قد والله كانت نفسي طيبة أن أعطيك ألفاً. إني أشهد الله أني بريء من النصرانية وإني على دين الرجل الذي كتب إليك هذا الكتاب.
تخفيض التعرفة الجمركية لتشجيع التجارة
خفض عمر الضريبة الجمركية على السلع التي تحتاج إليها المدينة مثل الزيت والحنطة من العشر إلى نصف العشر ليشجع التجار على إستيرادها للمدينة.
لا إكراه في الدين
حدّث (أشق) فقال: كنت عبداً نصرانياً لعمر، فقال: أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأبيت فقال: لا إكراه في الدين. فلما حضرته الوفاة أعتقني وقال: اذهب حيث شئت.
اللهم إني أرشدت ولم أكره
جاءت ذات يوم إلى الفاروق امرأة نصرانية عجوز وكانت لها حاجة عنده فقال لها: أسلمي تسلمي؛ إن الله بعث محمداً بالحق، فقالت: أنا عجوز كبيرة، والموت إليّ أقرب، فقضى حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام، فاستغفر الله مما فعل وقال: اللهم إني أرشدت ولم أكره.
حرية الزواج بالكتابيات
قال أبو زهرة: يجب أن نقرر هنا أن الأولى للمسلم ألا يتزوج إلا مسلمة لتمام الألفة من كل وجه ولقد كان عمر رضي الله عنه ينهى عن الزواج بالكتابيات إلا لغرض سام كإرتباط سياسي يقصد به جمع القلوب وتأليفها أو نحو ذلك.
لما علم عمر رضي الله عنه أن حذيفة بن اليمان تزوج يهودية كتب إليه: خل سبيلها، فكتب إليه حذيفة: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟. قال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخشى أن تدعوا المسلمات وتنكحوا المومسات منهن.
حــرية الرأي
أعينوني على نفسي
جاء في خطبة عمر لما تولى الخلافة: أعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة.
وقال سيدي الفاروق: أحب الناس إليّ من رفع إليّ عيوبي.
وقال أيضاً: إني أخاف أن أخطئ فلا يردني أحد منكم تهيباً مني.
لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا
خطب الفاروق رضي الله عنه فقال: أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه.
لا خير فيكم إذا لم تقولوها
جاء رجل إلى الفاروق يوماً فقال له على رؤوس الأشهاد: اتق الله يا عمر: فغضب بعض الحاضرين من قوله وأرادوا أن يسكتوه عن الكلام، فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها.
الآن السمع والطاعة
وقف الفاروق ذات يوم يخطب في الناس فما كاد يقول: أيها الناس اسمعوا وأطيعوا، حتى قاطعه أحدهم قائلاً: لا سمع ولا طاعة يا عمر، فقال عمر بهدوء: لم يا عبد الله؟ قال: لأن كلاً منا أصابه قميص واحد من القماش لستر عورته. فقال له عمر: مكانك، ثم نادى ولده عبد الله إبن عمر، فشرح عبد الله أنه قد أعطى أباه نصيبه من القماش ليكمل به ثوبه، فقال الرجل في احترام وخشوع: الآن السمع والطاعة يا أمير المؤمنين.
تقييد الحرية التي تضر بالآخرين
ليست الحرية عند الفاروق حرية مطلقة بل هي مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين سواء كان الضرر عاماً أو خاصاً، ومما منعه عمر رضي الله عنه وحظره وقيده:
الآراء الضالة المضلة في الدين
خطب عمر رضي الله عنه بالشام فقال: ومن يضلل الله فلا هادي له، فاعترض النبطي منكراً للقدر قائلاً: إن الله لا يضل أحداً! فهدده عمر بالقتل إن أظهر مقولته القدرية مرة أخرى.
ابتغى العلم فأخطأه
عن السائب بن يزيد أنه قال: أتى رجل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين: {والذّارِياتِ ذرْوًا(1) فالْحامِلاتِ وِقْرًا(2)} (سورة الذاريات) فقال عمر رضي الله عنه: أنت هو؟ فقام إليه وحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: والذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قِتْب ثم اخرجوا حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيباً ثم ليقل: إن صبيغاً، ابتغى العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك.
الفاروق وحقوق الإنسان
حـق الأمـن
كان الفاروق رضي الله عنه يقول: إني لم أستعمل عليكم عمالي ليضربوا أبشاركم ويشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم، ولكن استعملتهم ليعلموكم كتاب ربكم وسنة نبيكم فمن ظلمه عامله بمظلمة فليرفعها إليّ حتى أقتص له.
منع الإقرار تحت الضغط
منع الفاروق الحصول على الإقرار والاعتراف من مشتبه به في جريمة تحت الضغط وقال: ليس الرجل بمأمون على نفسه أن أجعته أوأخفته أو حبسته أن يقر على نفسه.
حق الملكية وحرمة المسكن
حين اضطر عمر رضي الله عنه، لأسباب سياسية وحربية بإجلاء نصارى نجران ويهود خيبر من الجزيرة العربية، أعطاهم أرضاً كأرضهم في العراق والشام في الأماكن التي انتقلوا إليها إقراراً بحق الملكية الفردية الذي يكفله الإسلام لأهل الذمة مثلما يكفله للمسلمين. وعندما اضطر نزع ملكية بعض الدور من أجل توسيع المسجد الحرام في مكة دفع تعويضاً عادلاً إقراراً بحق الملكية الفردية.
إرتباط الملكية الفردية بمصلحة الجماعة
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلالاً بن الحارث المزني أرضاً واسعة، فلما آلت الخلافة إلى عمر رضي الله عنه، قال له: يا بلال، إنك استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضاً طويلة عريضة فقطعها لك، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنع شيئاً يسأله، وأنت لا تطيق ما في يدك فقال: أجل، فقال عمر: فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه، وما لم تطق وما لم تقو عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين، فقال: لا أفعل والله شيئاً أقطعنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: والله لتفعلن.
التعسف في استعمال الحق
عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك: لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخراً ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر إبن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخراً وهو لا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك. وكان هذا قياساً من عمر على حديث أبي هريرة الذي قال فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره؛ ثم قال: مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم.
الفاروق والمال العام
ما أحد أحق به من أحد
قال سيدي الفاروق: والله الذي لا إلّه إلا هو ما أحد إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه، وما أحد أحق به من أحد، وما أنا فيه إلا كأحدكم. ولكنا على ما نزلنا من كتاب الله عز وجل وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته في الإسلام؛ والله لئن بقِيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه قبل أن يحمر وجهه.
تدوين الديوان
عن جبير بن الحويرث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان، فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال، ولا تمسك منه شيئاً، وقال عثمان: أرى مالاً كثيراً يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديواناً وجندوا جنوداً، فدون ديواناً وجند جنوداً، فأخذ بقوله، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة ابن نوفل، وجبير إبن مطعم - و كانوا من نساب قريش- فقال: اكتبوا الناس على منازلهم، فكتبوا فبدؤا ببني هاشم، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم عمر وقومه على الخلافة، فلما نظر فيه عمر قال: ابدؤوا بقرابة النبي صلى الله عليه و سلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث و ضعه الله.
الأعطيات
لم يكن للجند أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عليه عطاء ثابت فإذا غنموا أخذوا نصيبهم من الغنائم حسب ما قرره الشرع. وكان إن ورد للمدينة فيء أحضر لمسجد الرسول ووزع على المسلمين ليومه دون تفضيل بين كبير وصغير أو بين ذكر وأنثى أو بين حر وعبد.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: قسم أبي أول عام الفيء فأعطى الحر عشرة، والمملوك عشرة، والمرأة عشرة، وأمتها عشرة، ثم قسم في العام الثاني عشرين، عشرين.
وضع عمر نظاماً لتوزيع المال سنوياً وقد راعى في ذلك آل البيت والأقدمية والكفاءة كما تبين القائمة (المبالغ بالدراهم):
أ/ مرتبات بيت الرسول وزوجاته
25000 للعباس بن عبد المطلب لآل البيت.
6000 لكل واحدة من أمهات المؤمنين
ب/ مرتبات المجاهدين
5000 لكل من شهد بدر وألحق بهم الحسن والحسين وأبو ذر الغفاري وسليمان الفارسي.
4000 لكل مجاهد جاهد من بعد بدر وحتى الحديبية.
3000 لكل مجاهد جاهد من الحديبية إلى حروب الردة.
2000 لكل مجاهد جاهد في القادسية واليرموك.
1000 لكل مجاهد جاهد بعد اليرموك (الروادف الأولى).
500 للروادف المثنى.
300 للروادف الثلثيث.
250 للروادف الربيع.
200 أهل هجر والعباد.
100 لكل صبي ثبت إشتراكه في حرب من الحروب.
ج/ مرتبات زوجات المجاهدين
500 زوجات مجاهدي بدر.
400 زوجات المجاهدين من بعد بدر وحتى الحديبية.
300 زوجات المجاهدين من الحديبية إلى حروب الردة.
200 زوجات مجاهدي القادسية واليرموك.
وكان يعطى فوق هذا لكل فرد ممن تقدم طعام جريبين كل شهر.
ولم يغفل سيدي الفاروق كل طفل ومولود ولقيط فأجرى عليهم الأقوات وكان أدناها مائة درهم قابلة للزيادة كلما كبر سنه.
امير المؤمنين يحمل بنفسه المال لمستحقيه
قال هشام الكعبي: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحمل ديوان (زكاة) خزاعة حتى ينزل قديداً فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه امرأة بكر ولا ثيب في أيديهن، ثم يروح فينزل عسفان فيفعل مثل ذلك، حتى توفى.
أعط الناس أعطيتهم
عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم، فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقي شيء كثير، فكتب إليه عمر، إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، أقسمه بينهم.
اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا
لما خرج العطاء أرسل عمر إلى أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها يالذي لها (ست آلاف درهم) فلما دخل عليها قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني. قالوا: هذا كله لك. قالت: سبحان الله!. وإستترت منه بثوب وقالت: صبوه، وإطرحوا عليه ثوباً. ثم قالت لبرزة بنت رافع: أدخلي يدك فأقبضي منه قبضة فأذهبي بها إلى بني فلان (من أهل رحمها). فقسمته حتى بقيت بقية تحت الثوب فقالت برزة: غفر الله لك يا أم المؤمنين، والله كان لنا في هذا حق. قالت: لكم ما تحت هذا الثوب. فكشفت ما تحت الثوب فكان خمسة وثمانين درهماً. فرفعت أم المؤمنين يديها إلى السماء وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا. فماتت رضي الله عنها.
الناس يسألون الله أن يزيد في عمر عمر من أعمارهم
قدم خالد بن عرقطة على عمر من العراق فسأله عما وراءه فقال: يا أمير المؤمنين تركت الناس يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم؛ ما وطيء أحد القادسية إلا وعطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولود يولد إلا ألحق في مائة وجريبين في كل شهر، ذكراً كان أم أنثى. وما يبلغ لنا ذكر إلا ألحق على خمسمائة أو ستمائة؛ فإذا خرج هذا لأهل بيت، منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل، فما ظنك به؟؛ إنه لينفقه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي. قال عمر: الله المستعان، إنما هو حقهم أعطوه؛ وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه؛ فلا تحمدني عليه فإنه لو كان مال للخطاب ما أعطيتموه، ولكني قد علمت أن فيه فضلاً ولا ينبغي أن أحبسه عنهم. فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء ابتاع منه غنماً فجعله بسوادهم فإذا خرج عطاؤه الثاني ابتاع الرأس والرأسين فجعله فيها؛ فإني، ويحك يا خالد بن عرفطة، أخاف عليكم أن يليكم بعدي ولاة لا يعد العطاء في زمنهم مالاً فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه فيتكئون عليه. فإن نصيحتي لك وأنت جالس عندي كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين وذلك لما طوقني الله من أمرهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات غاشاً لرعيته لم يرح رائحة الجنة.
الفاروق الراعي الساهر
دموع الفاروق
قال عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء.
عمر الخير
ذات يوم جاءه أعرابي، فوقف عنده وقال:
يا عمر الخير جزيت الجنة
جهّـــــــــــِز بُنيّاتي وأمهنّه
أقســـم بالله لتـفعـلـنه
قال: فإن لم أفعل ماذا يكون يا أعرابي؟. قال:
أقسـم أنـي سـوف أمضـينه
قال: فإن مضيت ماذا يكون يا أعرابي؟. قال:
والله عن حـــالي لتسألنه
والواقف المسئول بينهنّه
إما إلى نار وإما جـــنه
فبكى عمر حتى اخضلت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم، لا لشعره، والله ما أملك قميصاً غيره.
لم تستبن قراءته من البكاء
قدم المدينة ليلاً رفقة من تجار فنزلوا المصلى، فقال سيدي عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم الليلة؟. قال: نعم. فباتا يحرسانهما ويصليان فسمع سيدي عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: إتقي الله وأحسني الى صبيك. ثم عاد إلى مكانه. فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فأتى أمه فقال لها: ويحك إنك أم سوء، مالي أرى إبنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟. فقالت: يا عبد الله إني أشغله عن الرضاع فيأبى ذلك. قال سيدي عمر: ولم؟. قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم. وكان سيدي عمر لا يجري من بيت المال إلا على المفطوم من الأطفال. قال سيدي عمر للأم: وكم عمر إبنك هذا؟ قالت: كذا شهراً. فقال: ويحك لا تعجلي فطامه. صلى سيدي عمر الصبح وهو يبكي ولا يستبين للناس قراءته من البكاء. فلما فرغ من الصلاة قال: بؤساً لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين. وأمر سيدي عمر مناديه فنادى: لا تعجلوا فطام صبيانكم فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام. وكتب بذلك الى الآفاق.
اوصى باللقطاء خيراً
فرض سيدي الفاروق مبلغ مائة درهم للقيط وفرض له رزقاً يأخذه وليه كل شهر بما يصلحه، ويجعل رضاعهم ونفقتهم من بيت المال؛ وكان يوصي بهم خيراً.
أأنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك!
قال أسلم مولى عمر: خرج عمر وأنا معه الى حرة واقم (الحرة أرض حجارتها بركانية) حتى إذا كنا بصرار (مكان على بعد ثلاثة أميال من المدينة)، إذا بنار تؤرت (تشعل)؛ قال: يا أسلم إني أرى ها هنا ركباناً قصر بهم الليل والبرد، إنطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بإمرأة معها صبيان، وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون (يتصايحون)؛ فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء (كره أن يقول أصحاب النار)، فقالت: وعليكم السلام؛ فقال: أأدنو؟، فقالت: أدن بخير أو دع، فدنا منها فقال: ما بالكم؟، قالت: قصر بنا الليل والبرد، قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟، قالت: الجوع، قال: وأي شيء في هذا القدر؟، قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر، فقال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟، قالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا. فأقبل علي وقال: إنطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلاً من الدقيق وكبة من شحم، وقال: إحمله عليّ؛ قلت: أنا أحمله عنك؛ قال: أأنت تحمل وزري يوم القيامة لا أم لك!؛ فحملته عليه فإنطلق وأنطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئاً، فجعل يقول: ذري علي أنا أحر لك، وجعل ينفخ تحت القدر فرأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ لهم، ثم أنزلها، وقال: إبغيني شيئاً، فأتته بصفحة فأفرغها فيها، فجعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين. فقال: قولي خيراً؛ إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله؛ ثم تنحى ناحية عنها، ثم إستقبلها فربض مربضاً، فقلت له: ألك شأن غير هذا؟. فلا يكلمني، حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا، وهدأوا، فقام يحمد الله ثم أقبل عليّ فقال: يا أسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم فأحببت ألا أنصرف حتى أرى ما رأيت.
فتاة أطاعت الفاروق وعصت أمها
بينما كان سيدي الفاروق يعس في حواشي المدينة ليلاً كعادته ومعه مولاه أسلم أصابه الإعياء فإتكأ على جانب جدار فسمع من خلفه إمرأة تطلب إلى فتاة أن تمذق لبناً بالماء؛ ورفضت الفتاة قائلة أن أمير المؤمنين قد أمر بألا يشاب اللبن بالماء. أصرت المرأة على الفتاة قائلة أنها بموضع لا يراها فيه أمير المؤمنين؛ فردت الصبية: والله لا أطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. طلب سيدي الفاروق من أسلم أن يعلم الباب ويعرف موضع الدار. وفي صباح اليوم التالي طلب منه أن يذهب لتلك الدار ويعرف من الفتاة التي رفضت مذق اللبن بالماء. فذهب أسلم وعاد ليقول له أن الفتاة من بني هلال وأنها أيم وأن التي كانت تحدثها فيما سمعاه أمها. جمع سيدي الفاروق ولده جميعاً وقال لهم: هل فيكم من يحتاج إلى إمرأة أزوجه؟؛ ولو كان بأبيكم ميل ما سبقه أحد منكم إلى هذه الجارية. وافق إبنه عصام على زواج الهلالية فولدت له بنتاً هي (أم عاصم) وكبرت أم عاصم وتزوجها عبد العزيز بن مروان وأنجب منها حفيد سيدي الفاروق وسميه الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز.
البسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها
عن جابر بن عبد الله أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء فقال عمر: إنا لنجد ذلك، حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن، فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك إن إبراهيم عليه السلام شكا إلى الله خلق سارة، فقيل له: إنها خلقت من ضلع فالبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها.
الفاروق والتفرقة العنصرية
لقد جاءك بحسب الدنيا والآخرة
خطب رجل أسود إلى رجل من قريش أخته وأعطاها مالاً كثيراً فأبى القرشي من تزويجها؛ فقال له سيدي الفاروق: ما منعك من أن تزوجه؛ فإن له صلاحاً وقد أحسن عطية أختك؟. فقال القرشي: يا أمير المؤمنين إن لنا حسباً وإنه ليس لها بكفء. فقال عمر: لقد جاءك بحسب الدنيا والآخرة؛ أما حسب الدنيا فالمال، وأما حسب الآخرة فالتقوى؛ زوج الرجل إن كانت المرأة راضية. فراجعها أخوها فرضيت فزوجها منه.
امير مكة من الموالي
لقى عمر نافع بن عبد الحارث بعساف حين قدم للحج، وكان قد أستعمله على مكة فسأله: من أستعملت على أهل الوادي؟.
قال: عبد الرحمن بن أبزي.
قال: ومن عبد الرحمن بن أبزي؟!.
قال: مولى من موالينا.
قال: استعملت عليهم مولى؟!.
قال: إنه قاريء لكتاب الله، عالم بالفرائض.
فهان ما بعمر وقال: أما إن نبيكم قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً، ويضع به آخرين.
تزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم
أتت أمرأة إلى عمر بزوج لها أشعث أغبر فقالت: يا أمير المؤمنين لا أنا ولا هذا، خلصني منه. فنظر عمر فعرف ما كرهت فيه فأشار إلى رجل وقال: إذهب به فحممه وقلم أظافره وخذ من شعره وائتني به. فذهب ففعل ذلك ثم أتاه. فأومأ له عمر أن خذ بيدها، وهي لا تعرفه. فقالت: يا عبد الله، سبحان الله، أبين يدي أمير المؤمنين تفعل هذا؟!. فلما عرفته ذهبت معه. فقال عمر: هكذا فأصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم.
الإهتمام بأمر المسلمين
الإهتمام بأسرى المسلمين
قال عمر: لأن استنقذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب.
وقال: كل أسير من المسلمين كان في أيدي المشركين ففكاكه من بيت المال.
الدفاع عن أعراض المسلمين
حبس عمر رضي الله عنه الحطيئة عندما هجا الزبرقان بن بدر وشبهه بالنساء في قصيدة جاء فيها:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وتوعد عمر الحطيئة بقطع لسانه إذا تمادى في هجو المسلمين؛ وقد استعطفه الحطيئة وهو في سجنه بقوله:
ماذا أقــول لأفـــراخ بذي مـــرخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعـر مظلمــــة فاغفـــر عليك سـلام الله يا عمر
فرق له قلب عمر وخلى سبيله، وأخذ عليه عهداً ألا يهجو أحداً من المسلمين. فقال الحطيئة في ذلك:
أخذت أطــراف الكــــلام فـلم تدع شــتماً يضــر ولا مديحــاً ينفــــع
ومنعتني عرض البخيل فلم يخـف شــتمي وأصــبح آمــنا لا يفــزع
فاشترى منه الفاروق أعراض المسلمين بمبلغ ثلاثة آلاف درهم.
الفاروق القوي الامين
مراقبة الولاة ومحاسبتهم
كما كان سيدي الفاروق يحاسب نفسه كان يراقب ويحاسب ولاته أيضاً؛ وقد حرص على ألا يتعدى أحدٌ من عماله العقوبات الشرعية عند معاقبة العاصين.
هان شيء أصلح به قوماً
أخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوماً أن أبدلهم أميراً مكان أمير.
إعلان الذمة المالية
كان سيدي الفاروق إن عين عاملاً كتب ماله وإن وجد عنده مالاً كثيراً صادر نصفه ووضعه في بيت المال.
أخرج عن الشعيب أن عمر كان إذا استعمل عاملاً كتب ماله.
عن ابن عمر قال: أمر عمر عماله فكتبوا أموالهم، منهم سعد بن أبي وقاص، فشاطرهم عمر في أموالهم، فأخذ نصفاً وأعطاهم نصفاً.
طلب من الولاة دخول المدينة نهاراً
كان رضي الله عنه يطلب من ولاته القادمين إلى المدينة أن يدخلوها نهاراً، ولا يدخلوها ليلاً، حتى يظهر ما يكون قد جاءوا به من أموال ومغانم فيسهل السؤال والحساب.
نهي الفاروق عن جلد أمراء الجيوش
عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر بن الخطاب: ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحداً الحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار.
الفاروق يقوم بجولات تفتيشية
زار الفاروق الشام عدة مرات لمراقبة العمال وتفقد أحوال الرعية، والاطمئنان على أمور الدولة ودخل بيوت ولاتها وأمرائها، ليعرف أحوالهم عن كثب فقد دخل دار أبي عبيدة وشاهد حالته وتقشفه ودار بينه وبين امرأة أبي عبيدة حوار شديد ألقت فيه اللوم على عمر نتيجة ما يعيشون فيه من تقشف، كما زار دار خالد بن الوليد ولم يجد عنده شيئاً يلفت النظر سوى أسلحته التي كان منشغلاً بإصلاحها.
وقد كان عمر أثناء دخوله على هؤلاء يدخل فجأة إذ يصحبه رجل فيطرق الباب على الوالي فيتكلم الرجل ويطلب الأذن بالدخول له ولمن معه دون أن يقول أنه عمر وحينما يدخل عمر إلى الدار يقوم بالتمحيص فيها والاطلاع على ما فيها من أثاث، وقد سمع عمر رضي الله عنه أن يزيد إبن أبي سفيان ينوع في طعامه، فانتظر حتى إذا حان وقت عشاء يزيد استأذن عليه عمر، فلما رأى طعامه نهاه عن الإسراف في الطعام. ولم يكتف عمر بالمراقبة عن طريق هذه الزيارات بل عمد إلى طريقة أخرى وهي إرسال كميات من الأموال إلى الولاة وإرسال من يراقبهم حتى يعرف كيف تصرفوا فيها.
المفتش العام محمد بن مسلمة
كان الفاروق يستعين بمحمد بن مسلمة الأنصاري في متابعة الولاة ومحاسبتهم والتأكد من الشكاوى التي تأتي ضدهم، فكان موقع محمد إبن مسلمة في دولة الخلافة كالمفتش العام في الدول الحديثة، فكان يتحرى عن أداء الولاة، ومحاسبة المقصرين منهم، فقد أرسله عمر لمراقبة ومحاسبة كبار الولاة، والتحقيق في الشكايات ومقابلة الناس والسماع منهم ونقل آرائهم عن ولاتهم إلى عمر مباشرة، وكان مع محمد أعوان.
مراجعة عمل الولاة في موسم الحج
كان موسم الحج جمعية عمومية كأرقى ما تكون الجمعيات العمومية في عصر من العصور فقد جعله عمر موسماً للمراجعة والمحاسبة واستطلاع الآراء في شتى الأنحاء؛ يفد فيه الرقباء الذين كان يبثهم عمر في أرجاء دولته لمراقبة العمال والولاة ويأتي العمال أنفسهم لتقديم كشف الحساب عن أعمالهم. لقد كان موسم الحج فرصة لعمر ليستقي أخبار رعيته وولاته، فيجتمع فيه أصحاب الشكايات والمظالم.
في أحد المواسم أمر الفاروق رضي الله عنه عماله أن يوافوه بالحج، فلما اجتمعوا لخص واجبات عماله أمام الرعية فقال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد قام فقال: يا امير المؤمنين إن عاملك ضربني مائة سوط، قال: فيم ضربته؟، قم فاقتص منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا امير المؤمنين إنك إن فعلت هذا يكثر عليك ويكون سنة يأخذ بها من بعدك، فقال: أنا لا أقيد، وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه قال: فدعنا فلنرضه، قال: دونكم فارضوه، فاقتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين ولو لم يرضوه لأقاده رضي الله عنه.
كذب معاذ فضحك عمر
ولى عمر ولاة أشتهروا بالزهد وكان نساء بعض الولاة يشتكين أزواجهن إلى عمر بسبب زهدهم. من ذلك أن عمر أرسل معاذاً ساعياً على بعض القبائل فقسم فيهم فلم يبق شيئاً لبيته فقالت إمرأته: أين ما جئت به مما يأتي به العمال من عراضة أهليهم؟؛ فقال: كان معي ضاغط - يعني مراقباً- ؛ فقالت قد كنت أميناً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر، أفبعث عمر معك ضاغطاً؟. فقامت بذلك وسط نسائها وأشتكت عمر، فبلغ ذلك عمر فدعا معاذاً فقال: أنا بعثت معك ضاغطاً؟؛ فقال: لم أجد شيئاً أعتذر به إليها إلا ذلك. فضحك عمر وأعطاه شيئاً وقال: أرضها به.
من عبد الله عمر إلى العاصي بن العاص
يروي ابن الجوزي أن عمرو بن العاص، أقام حد الخمر على عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب، يوم كان عامله على مصر. ومن المألوف أن يقام الحد في الساحة العامة للمدينة، لتتحقق من ذلك العبرة للجمهور، غير أن عمرو بن العاص أقام الحد على ابن الخليفة في البيت، فلما بلغ الخبز عمر، كتب إلى عمرو بن العاص: من عبد الله عمر إلى العاصي إبن العاص: عجبت لك يا ابن العاص ولجرأتك عليّ، وخلاف عهدي. أما إني قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن هو خير منك، واخترتك لجدالك عني، وإنفاذ عهدي، فأراك تلوثت بما قد تلوثت، فما أراني إلا عازلك فمسيء عزلك، تضرب عبد الرحمن في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟، إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك، تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين. ولكن قلت: هو ولد أمير المؤمنين وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عندي في حق يجب لله عليه، فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع، وقد تم إحضاره إلى المدينة وضربه الحد جهراً.
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً
جاء رجل من أهل مصر يشكو ابن عمرو بن العاص واليه على مصر قائلاً: يا امير المؤمنين عائذ بك من الظلم، قال عذت معاذا قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط ويقول: أنا ابن الأكرمين، فكتب عمر إلى عمرو رضي الله عنهما يأمره بالقدوم ويقدم بابنه معه: فقدم عمرو فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب؛ فجعل يضربه بالسوط وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين؛ قال أنس: فضرب، فوالله، لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما رفع عنه حتى تمنينا أن يرفع عنه، ثم قال عمر للمصري: اصنع على صلعة عمرو، فقال: يا امير المؤمنين إنما ابنه الذي ضربني وقد اشتفيت منه، فقال: لو ضربت أباه عمرو لما حلنا بينك وبين ذلك، والتفت إلى عمرو بن العاص وقال قولته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟. قال: يا امير المؤمنين لم أعلم ولم يأتني.
هل يمنعني أحد من ضربك؟
شكى أحد الجنود لسيدي الفاروق من أن عمرو بن العاص اتهمه بالنفاق فكتب معه عمر إلى عمرو بن العاص أمراً بأن يجلس عمرو أمام الناس فيجلده إذا ثبت صدق ما ادعاه بشهادة شهود، وقد ثبت بالشهادة أن عمرو رماه بالنفاق، فحاول بعض الناس أن يمنع الرجل من ضرب عمرو وأن يدفع له مقابل الضرب، ولكنه رفض ذلك، وعندما قام على رأس عمرو ليضربه سأله: هل يمنعني أحد من ضربك؟ فقال عمرو: لا فامض لما أمرت به، قال: فإني قد عفوت عنك.
إنه قد بلغني إنك
بنى عمرو بن العاص مسجداً مكان فسطاطه ثم إتخذ في المسجد منبراً يخطب الناس من فوقه؛ فكتب إليه سيدي الفاروق: فإنه قد بلغني أنك اتخذت منبراً ترقى به على رقاب المسلمين أما حسبك أن تقوم قائماً والمسلمون تحت عقبيك؟!؛ فعزمت عليك إلا ما كسرته.
استخرج شعره ثم ضرب به صدر عمر
عن جرير بن عبد الله البجلي أن رجلاً كان مع أبي موسى الأشعري، وكان ذا صوت، ونكاية، في العدو، فغنموا مغنماً فأعطاه أبو موسى بعض سهمه، فأبى أن يقبله إلا جميعاً، فجلده أبو موسى عشرين سوطاً وحلقه، فجمع الرجل شعره ثم ترحل إلى عمر بن الخطاب حتى قدم عليه، فدخل على عمر بن الخطاب، قال جرير: وأنا أقرب الناس من عمر، فأدخل يده فاستخرج شعره ثم ضرب به صدر عمر ثم قال: أما والله لولا النار، فقال عمر: صدق والله لولا النار فقال: يا امير المؤمنين إني كنت ذا صوت ونكاية وضربني أبو موسى عشرين سوطاً، وحلق رأسي. فقال عمر رضي الله عنه: لأن يكون الناس كلهم على صرامة هذا فأحب إلي من جميع ما أفاء الله علينا، فكتب عمر إلى أبي موسى: السلام عليك أما بعد فإن فلاناً أخبرني بكذا وكذا، فإن كنت فعلت ذلك في ملأ من الناس، فعزمت عليك لما قعدت له في ملأ من الناس، حتى يقتص منك وإن كنت فعلت ذلك في خلاء من الناس، فاقعد له في خلاء من الناس، حتى يقتص منك، فقدم الرجل، فقال له الناس: أعف عنه، فقال: لا والله لا أدعه لأحد من الناس، فلما قعد له أبو موسى ليقتص منه، رفع الرجل رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم إني قد عفوت عنه.
لئن عُدت لأسودنّ وجهك
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع عمر في مسير فأبصر رجلاً يسرع في سيره، فقال: إن هذا الرجل يريدنا، فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فبكى؛ قال له عمر رضي الله عنه: ما شأنك؟ فقال: يا امير المؤمنين إني شربت الخمر، فضربني أبو موسى وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب به أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك، فبكى عمر رضي الله عنه وقال: ما يسرني أنك لحقت بأرض الشرك وإن كنت ممن شرب الخمر، فلقد شرب الناس الخمر في الجاهلية. ثم كتب إلى أبي موسى: إن فلاناً بن فلان التميمي أخبرني بكذا وكذا، وايم الله لئن عُدت لأسودنّ وجهك وليطاف بك في الناس، فإن أردت أن تعلم أحقًّ ما أقول فعد. أمُر الناس فليؤاكلوه وليجالسوه، وإن تاب فاقبلوا شهادته وكساه عمر رضي الله عنه حُلّة وحمله، وأعطاه مائتي درهم.
لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها
قال قيس بن أبي حازم رحمه الله: استعمل عمر رضي الله عنه رجلاً من الأنصار فنزل بعظيم أهل الحيرة عمرو بن حيان بن بقيلة، فأمال عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس الهزل، فدعا الرجل فمسح بلحيته. فركب إلى عمر رضي الله عنه فقال يا امير المؤمنين، قد خدمت كسرى وقيصر فما أُتي إليّ ما أتي في ملكك، قال: وما ذاك؟ قال: نزل بي عاملك فلان فأملْنا عليه بالطعام والشراب ما دعا به، فاحتبس الهزل فدعاني فمسح بلحيتي. فأرسل إليه عمر رضي الله عنه فقال: هيه؟! أمال عليك بالطعام والشراب ما دعوت به ثم مسحت بلحيته؟، والله لولا أن تكون سنة ما تركت في لحيتك طاقة إلا نتفتها، ولكن اذهب فوالله لا تلي لي عملاً أبداً.
ما له لا أم له يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟
عزل رضي الله عنه أحد الأمراء نتيجة تدخله فيما لا يعنيه في شئون أجناده حيث بعثه على جيش، فلما نزل بهم قال: عزمت عليكم لما أخبرتموني بكل ذنب أذنبتموه فجعلوا يعترفون بذنوبهم فبلغ ذلك عمر فقال: ما له لا أم له يعمد إلى ستر ستره الله فيهتكه؟؛ والله لا يعمل لي أبداً.
الفاروق يحرق باب سعد بن أبي وقاص
كان سيدي الفاروق رضي الله عنه يحرص على أن تكون بيوت الولاة بدون أبواب، وبدون حجاب. ولما كانت دار والي الكوفة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قريباً من الأسواق وكانت الأصوات مرتفعة بالسوق تؤذي سعداً فقد وضع بابا لداره يحجز عنه أصوات الناس بالسوق، وسمع سيدي الفاروق عن دار سعد وبابه وأن الناس يسمّونه قصر سعد، فدعا محمد بن مسلمة وأرسله إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه، ثم ارجع عودك على بدئك، فخرج حتى قدم الكوفة، فاشترى حطباً ثم أتى به القصر، فأحرق الباب.
منع الفاروق تحديث بيوت الولاة
وروى ابن شبة: أن عمر استعمل مجاشع بن مسعود على عمل فبلغه أن امرأته تجدد بيوتها فكتب إليه عمر: من عبد الله امير المؤمنين إلى مجاشع بن مسعود سلام عليك أما بعد فقد بلغني أن الخضيراء تحدث بيوتها، فإذا أتاك كتابي هذا فعزمت عليك ألا تضعه من يدك حتى تهتك ستورها، قال: فأتاه الكتاب والقوم عنده جلوس فنظر في الكتاب، فعرف القوم أنه قد أتاه بشيء يكرهه، فأمسك الكتاب بيده ثم قال للقوم: انهضوا، فنهضوا؛ والله ما يدرون إلى ما ينهضهم، فانطلق بهم حتى أتى باب داره فدخل فلقيته امرأته فعرفت الشر في وجهه فقالت له: مالك؟ فقال: إليك عني قد أرهقتني، فذهبت المرأة، وقال للقوم: ادخلوا، فدخل القوم، فقال: فليأخذ كل رجل منكم ما يليه من هذا النحو واهتكوا. فهتكوا جميعاً حتى ألقوها إلى الأرض والكتاب في يده لم يضعه بعد.
ويحك أتلبس الحيطان؟
وفي أثناء زيارة عمر إلى الشام دعاه يزيد بن أبي سفيان إلى الطعام فلما دخل عمر البيت وجد فيه بعض الستائر، فأخذ يقطعها ويقول: ويحك أتلبس الحيطان ما لو ألبسته قوماً من الناس لسترهم من الحر والبرد.
رمى الفاروق أمراء الجيش بالحجارة
وفي أثناء زيارته إلى الشام لقيه الأمراء، فكان أول من لقيه يزيد إبن أبي سفيان، وأبا عبيدة، ثم خالد على الخيول، عليهم ثياب فاخرة لا تليق بالمجاهدين فنزل وأخذ الحجارة ورماهم بها وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم، إياي تستقبلون في هذا الزي؟، وإنما شبعتم مذ سنتين وبالله ولو فعلتم هذا على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم. فقالوا: يا امير المؤمنين إنها يلاقة وإن علينا السلاح. فقال: فنعم إذن.
جعل الوالي له سماراً فجعله الفاروق راعياً للأغنام
روى ابن شبة: أن عمر رضي الله عنه استعمل عياض بن غنم على الشام فبلغه أنه اتخذ حماماً واتخذ نوّاباً (أي جماعة من الناس يختصون بالزيارة والمسامرة دون غيرهم). فكتب إليه أن يقدم عليه، فأقدم، فحجبه ثلاثاً، ثم أذن له ودعا بجبة صوف، فقال البس هذه، وأعطاه كنف الراعي وثلاثمائة شاة وقال: انعق بها، فنعق بها فلما جازه هنيهة، قال: أقبل، فأقبل يسعى حتى أتاه، فقال: اصنع بكذا وكذا، اذهب فذهب، حتى إذا تباعد ناداه: يا عياض أقبل؛ فلم يزل يردده حتى عرّقه في جبينه، قال: أوردها علي يوم كذا وكذا، فأوردها لذلك اليوم، فخرج عمر رضي الله عنه فقال: انزع عليها؛ فاستقى حتى ملأ الحوض فسقاها. ثم قال: انعق بها، فإذا كان يوم كذا فأوردها فلم يزل يعمل به حتى مضى شهران أو ثلاثة، ثم دعاه فقال: هيه اتخذت نواباً واتخذت حماماً!، أتعود؟؛ قال: لا؛ قال: ارجع إلى عملك. وقد كانت نتيجة هذه العقوبة التأديبية أن أصبح عياض بعد ذلك من أفضل عمّال عمر رضي الله عنه.
ولم يرد الفاروق على معاوية سلامه
عندما قدم عمر على الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم فلما رأى معاوية عمر نزل من على صهوة جواده، ومشى إليه، وقال: السلام على امير المؤمنين؛ فمضى عمر، ولم يرد عليه سلامه، ومعاوية يسرع خلف جمل عمر وكان معاوية سميناً فلهث. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا امير المؤمنين أتعبت الرجل، فلو كلمته. فالتفت إليه عمر وقال: يا معاوية، أأنت صاحب الموكب الذي أرى. قال: نعم يا امير المؤمنين. قال عمر: مع شدة احتجابك ووقوف ذوي الحاجات ببابك؟؛ قال معاوية: نعم يا امير المؤمنين؛ قال: لم ويحك؟؛ قال معاوية: لأننا ببلاد كثر بها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العُدة والعدد، استخف بنا، وهجم علينا، وأما الحجاب، فإننا نخاف من الابتذال وجرأة الرعية. وأنا بعد عاملك، إن استوقفتني وقفت، وإن نهيتني انتهيت يا امير المؤمنين.
قال عمر: ما سألتك عن شيء إلا خرجت منه، إن كنت صادقاً فإنه رأى لبيب، وإن كنت كاذباً فإنها خدعة أريب، لا آمرك ولا أنهاك، وانصرف عنه.
ليس من كد أبيك ولا من كد أمك
قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أتى بالخبيص، فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً، فقال: والله لو صنعت لامير المؤمنين من هذا. فجعل له سفطين عظيمين، ثم حملهما على بعير مع رجلين، فسرّح بهما إلى عمر. فلما قدما عليه فتحهما، فقال: أي شيء هذا؟، قالوا: خبيص فذاقه، فإذا هو شيء حلو؛ فقال: أكل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟ قال: لا؛ قال: أما لا فارددهما. ثم كتب إليه: أما بعد، فإنه ليس من كد أبيك ولا من كد أمك، أشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك.
نماذج من ولاة الفاروق
عمير بن سعـد
أفقر الناس واليهم
كتب سيدي الفاروق إلى أهل حمص ليكتبوا إليه أسماء فقراءهم؛ فكتبوا إليه أسماء الفقراء وذكروا فيهم إسم واليهم عمير بن سعد؛ فلما قرأ سيدي الفاروق إسمه سأل: من عمير بن سعد؟.
قالوا: أميرنا.
قال: أو فقير هو؟.
قالوا: ليس أهل بيت أفقر منه.
قال: فأين عطاؤه؟.
قالوا: يخرجه كله لا يمسك منه شيئاً.
فبعث سيدي الفاروق بمائة دينار لعمير فأخرجها كلها وتصدق بها. فقالت له زوجته: لو كنت حبست لنا منها ديناراً واحداً؟.
قال: لو ذكرتني فعلت.
معي الدنيا أجرها بقرنها
مكث عمير بن سعد حولاً ولا يأتي لسيدي الفاروق خبر منه، فكتب إليه: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل بما جبيت من فيء المسلمين.
فأخذ عمير جرابه وجعل فيه زاده وقصعته وعلق أداوته وأخذ عصاه ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة؛ ودخل على سيدي الفاروق وقد شحب لونه وأغبر وجهه وطال شعره وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
قال عمر: ما شأنك؟.
قال عمير: ما ترى من شأني؟؛ ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرنها؟!.
قال عمر: وما معك؟.
قال عمير: معي جرابي أجعل فيه زادي، وقصعتي آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي، وأداوتي أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعصاتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدو إن عرض، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي.
قال عمر: فجئت تمشي؟.
قال عمير: نعم.
قال، أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟.
قال: ما فعلوا، وما سألتهم ذلك.
قال: بئس المسلمون خرجت من عندهم، فأين بعثتك؟، وأي شيء صنعت؟.
قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟.
قال: سبحان الله!.
قال: أما لو لا أخشى أن أغمك ما أخبرتك؛ بعثتني حتى أتيت البلد فجمعت صلحاء أهلها فوليتهم جباية فيئهم حتى إذا جمعوه وضعته في مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به.
قال: فما جئتنا بشيء؟!.
قال: لا.
قال: جددوا لعمير عهداً.
قال: إن ذلك لشيء مضى، لا عملت لك ولا لأحد بعدك.
وأستأذنه عمير فأذن له، فرجع منزله وبينه وبين المدينة أميال. وأراد سيدي الفاروق أن يعرف ما وراء عمير فبعث وراءه رجلاً يقال له الحارث وأعطاه مائة دينار وقال له: إنطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإن رأيت حاله شديدة فأدفع اليه هذه المائة دينار.
إنطلق الحارث فإذا هو بعمير إلى جانب الحائط فسلم عليه، فقال له عمير: أنزل رحمك الله. فنزل؛ سأله عمير: من أين جئت؟.
قال الحارث: من المدينة.
قال: فكيف تركت المسلمين؟.
قال: صالحين.
قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟.
قال: صالحاً.
قال: اللهم أعن عمر، فأني لا أعلمه إلا شديداً حبه لك.
فنزل بهم الحارث ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصونه بها ويطوون حتى أتاهم الجهد. فقال له عمير: إنك قد أجعتنا، فإن رأيت أن تتحول عنا فأفعل.
أخرج الحارث الدنانير فدفعها إليه وقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فإستعن بها.
فصاح وقال: لا حاجة لي بها، ردها.
فقالت له إمرأته: إن أحتجت إليها وإلا فضعها مواضعها.
قال عمير: والله ما لي شيء أجعلها فيه.
فشقت أمرأته أسفل درعها وأعطته خرقة، فجعلها فيها. ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء؛ ثم رجع وقال للحارث: أقريء مني أمير المؤمنين السلام.
رجع الحارث إلى سيدي الفاروق فسأله: ما رأيت؟.
قال الحارث: رأيت يا أمير المؤمنين حالاً شديدة.
قال: فما صنع بالدنانير؟.
قال: لا أدري.
فكتب سيدي الفاروق إلى عمير: إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل.
فأقبل اليه ودخل عليه. فقال له سيدي الفاروق: ما صنعت بالدنانير؟.
قال عمير: صنعت ما صنعت، وما سؤالك عنها؟.
قال: أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها.
قال: قدمتها لنفسي.
قال: رحمك الله.
وأمر سيدي الفاروق لعمير بوسق من طعام وثوبين؛ فقال عمير: أما الطعام فلا حاجة لي فيه فقد تركت في المنزل صاعين من شعير، إلى أن آكل ذلك يكون قد جاء الله تعالى بالرزق؛ أما الثوبان فإن أم فلان عارية.
ولم يأخذ الطعام وأخذ الثوبين ورجع إلى منزله.
سعيد بن عامر
ألا فشر أيامي أيام عمر
قال خالد بن معدان: استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد إبن عامر الجُمحي، فلما قدم عمر حمص قال: يا أهل حمص، كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه، وكان يقال لأهل حمص الكوفية الصغرى لشكايتهم العمال، قالوا: نشكوه أربعاً، لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها وماذا؟، قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: وعظيمة، وماذا؟ قالوا: وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال عظيمة وماذا؟ قالوا: يغْنط الغنْطة بين الأيام (أي يغمى عليه ويغيب عن حسه) فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيّل رأيي فيه اليوم، وافتتح المحاكمة فقال لهم أمامه: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: ما تقول؟ قال: والله إن كنت لأكره ذكره: ليس لأهلي خادم، فأعجن عجيني ثم أجلس حتى يختمر ثم أخبز خبزي ثم أتوضأ ثم أخرج إليهم فقال: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحداً بليل، قال: ما تقول؟ قال: إن كنت لأكره ذكره، إني جعلت النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل قال: وما تشكون منه؟ قالوا: إن له يوماً في الشهر لا يخرج إلينا فيه قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجفّ ثم أدلكها ثم أخرج إليهم آخر النهار قال: ما تشكون منه، قالوا: يغْنط الغنطة بين الأيام قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خُبيب الأنصاري بمكة وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعة فقالوا، أتحب أن محمداً مكانك؟ فقال، والله ما أحب أني في أهلي وولدي وأن محمداً صلى الله عليه وسلم يشتاكُ شوكة ثم نادى يا محمد فما ذكرت ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أؤمن بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبداً فتصيبني تلك الغنطة فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيّل فراستي، فبعث إليه بألف دينار وقال: استعن بها على أمرك. ففرّقها.
إشتدت فاقة والي حمص سعيد بن عامر حتى تحدث الناس بفقره فأرسل اليه سيدي الفاروق بأربعمائة دينار وكتب إليه يعزم عليه أن ينفقها على نفسه وأهله. فلما قرأ سعيد كتاب سيدي الفاروق إهتم هماً شديداً تبين عليه فقالت له أمرأته: نفسي فداك، مالي أراك مهتماً، أبلغك موت أمير المؤمنين؟.
قال: أعظم من ذلك.
قالت: أبلغك عن ثغور المسلمين شيء؟.
قال: أعظم من ذلك.
قالت: وما هو؟.
قال: أبتليت بالدنيا. كنت صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أبتل بها؛ وصحبت أبا بكر فلم أبتل بها؛ وأبتليت بها في صحبة عمر، ألا فشر أيامي أيام عمر.
قالت: وما ذلك بأبي أنت وأمي؟.
قال: إني أخافك.
قالت: إياي تعني؟!.
قال: نعم.
قالت: فأنت آمن من هذا.
قال: إن أمير المؤمنين أرسل إلي بأربعمائة دينار وعزم عليّ أن أنفقها عليّ وعليك؛ وإن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً؛ والله ما أحب أن لي حمر النعم وإني أحبس عن الفوج الأول.
قالت: فدونكها فاصنع بها ما شئت.
قال: هل من خِرّق؟.
فأعطته قميصاً لها خلقاً فمزقه خرقاً ثم صر فيها ما بين أربعة إلى عشرة ثم طرحها في مخلاة. خرج سعيد إلى باب الرستن من حمص وجعل يعطي صرة، صرة حتى بقيت صرة في المخلاة فدفعها والمخلاة إلى رجل. ثم رجع وقد ذهب عنه وأستراح.
أبو عبيدة بن الجراح
حِـب الفاروق
عندما حاصر قادة المجاهدين، ومنهم أبو عبيدة، بيت المقدس وضيّقوا على أهل المدينة أجابوا إلى الصلح بشرط أن يكون يحضر لذلك أمير المؤمنين عمر، فكتبوا إليه بذلك. استخلف سيدي الفاروق على المدينة علي بن أبي طالب وسار بالناس على مقدمتهم العباس بن عبد المطلب، فلما وصل إلى الشام تلقاه رؤوس الأمراء أبو عبيدة وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، فترجّل أبو عبيدة وترجّل عمر، وهم أبو عبيدة ليُقَبِّل يَدَ عُمر، فهمّ عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة فكفّ أبو عبيدة فكفّ عمر.
أين أخي؟
قدم عمر الشام فتلقاه أمراء الجيوش وعظماء أهل الشام، فقال عمر: أين أخي؟.
قالوا: من؟.
قال: أبو عبيدة.
قالوا: يأتيك الآن.
وجاء أبو عبيدة على ناقة مخطومة فسلم عليه سيدي الفاروق وقال للناس: أنصرفوا عنا. وسار معه إلى منزله فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله؛ فقال له: لو أتخذت متاعاً؟.
قال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل.
كان ضرر الدنانير أكثر من نفعها
إعتاد الفاروق إرسال كميات من الأموال إلى الولاة حتى يعرف كيف يتصرفون فيها؛ فأرسل إلى أبي عبيدة بخمسمائة دينار فعمد إليها أبو عبيدة فقسمها كلها ثم عمد إلى خلق ثوب كانوا يصلون فيه فشققه ثم جعل يصبّر فيه من تلك الدنانير الذهب ويبعث بها إلى مساكين، فقسمها عليهم حتى فنيت فقالت امرأته: والله لقد كان ضرر دخول الدنانير علينا أكثر من نفعها (تقصد الثوب الذي شققه).
لو أدركني أحد رجلين
في المسند عن أبي رافع أنه قيل لعمر عند موته في الإستخلاف، فقال: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً، ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح.
نلتقي إن شاء الله ونواصل القطف بإذن الله.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق