الجمعة، 2 أغسطس 2013



القطف المستطاب
من سيرة سيدي  إبن الخطاب
  جمع وإعداد وترتيب
مصطفى دارنتود


هذا هو سيدنا الفاروق
 الفاروق رجل في إسلام وإسلام في رجل....
الفاروق رجل محبوب في السماء محبوب في الأرض....
الفاروق هو القدوة من هنا إلى يوم القيامة....
وفضائل الفاروق لا تنفد لو تحدث عنها جبريل عليه السلام لمدة ألف عام إلا خمسين....
     قـــال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كان إسلام عمر فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي ونطوف بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتلناهم حتى تركونا نصلي.
     قــــال معاوية بن سفيان: أمـا أبو بكر فـلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمــر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأمّا نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن. 
    رأت أمرأة فتياناً يقصدون في المشي ويتكلمون رويداً؛ فقالت: ما هذا؟؛ قالوا: نساك. قالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وهو الناسك حقاً.


رسالة إلى سيدي الفاروق 
    كـــان سيدي عمر الفاروق رضي الله عنه يرسل البريد إلى الولاة في الأمصار وكان يأمر عامل البريد عندما يريد العودة إلى المدينة أن ينادي في الناس: من يريد إرسال رسالة إلى أمير المؤمنين؟.
    وأنا اليوم أريد أن أرسل هذه الرسالة إلى امير المؤمين  الراشد سيدي عمر بن الخطاب:
سيدي الفاروق يشهد الله إني أحبك
مصطـــــفى  دارنتود  
                                                             دنقـــــلا - السودان


الفــاروق
نسبه، كنيته، لقبه، صفته الخلقية، زوجاته وأبناؤه
نسبه: هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رياح بن عبد الله إبن قرُط بن رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، يجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي بن غالب. وأما والدته فهي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، بنت أخت أبي جهل.
كنيته:  أبو حفص، وهي كُنية إذ لا ولد له بهذا الاسم.
لقبه:  الفاروق؛ ولقبه النبي صلى الله عليه وسلم بالفاروق لأنه أظهر الإسلام بمكة ففرّق الله به بين الكفر والإيمان.
 مولده:  ولد رضي الله عنه بعد الفجار الأعظم بأربع سنين وبعد عام الفيل بثلاثة عشرة سنة وقبل المبعث النبوي بثلاثين سنة.
صفته الخَلْقية:  كان رضي الله عنه، أبيض أمهق، تعلوه حمرة، حسن الخدين والأنف والعينين، غليظ القدمين والكفين، مجدول اللحم، وكان طويلاً جسيماً أصلع، قد فرع الناس، كأنه راكب على دابة، وكان قوياً شديداً، وكان طويل السَّبلة وكان إذا مشى أسرع وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان يخضب بالحناء.
      وأخرج ابن سعد والحاكم عن زر بن حبيش قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد، فرأيت عمر مُلبب بُرداً له قطريا،  يمشي حافياً شيخاً أصلع آدم أعسر أيسر طوالاً مشرفاً على الناس كأنه على دابة. قال الواقدي: لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم، إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت.
     أخرج ابن سعد عن أن ابن عمر وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.
     وأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلاً طويلاً جسيماً أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة.
زوجاته:  مجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والإسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع وهن: زينب بنت مظعون، ومليكة بنت جرول، وقُرَيْبة بنت أبي أمية المخزومي، وأم حكيم بنت الحارث إبن هشام وجميلة بنت عاصم بن ثابت من الأوس، وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل، وأمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أمهات الولد أثنتان لُهْيَة امرأة من اليمن، وفكيهة.
     قال سيدي عمر رضي الله عنه: ما آتيت النساء للشهوة، ولولا الولد، ما باليت ألا أرى امرأة بعيني.  وقال رضي الله عنه: إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبحه وتذكره.
أولاده:  جملة أولاده ثلاثة عشر ولداً، تسعة أولاد وأربع بنات؛ أما الأولاد فهم زيد الأكبر، وزيد الأصغر، وعاصم، وعبد الله، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأوسط،، وعبد الرحمن الأصغر، وعبيد الله، وعياض؛ أما البنات فهن حفصة، ورقية، وزينب، وفاطمة رضي الله عنهم.



    الفاروق بين الكفر والإيمان
طفولته
      أمضى عمر رضي الله عنه في الجاهلية شطراً من حياته، ونشأ كأمثاله من أبناء قريش، وامتاز عليهم بأنه كان ممن تعلموا القراءة وهؤلاء كانوا قلة، وقد حمل المسؤولية صغيراً، ونشأ نشأة غليظة شديدة، لم يعرف فيها ألوان الترف، ولا مظاهر الثروة ودفعه أبوه إلى المراعي يرعى إبله. ولم يكن يرعى لأبيه وحده بل كان يرعى لخالات له من بني مخزوم.
     قال عبد الرحمن بن حاطب: كنت مع عمر بن الخطاب بضجنان، فقال: كنت أرعى للخطاب بهذا المكان، فكان فظاً غليظاً فكنت أرعى أحياناً وأحتطب أحياناً.
     وقال سعيد بن المسيب رحمه اللهً: حجّ عمر، فلما كان بضجنان قال: لا إله إلا الله العلي العظيم، المعطي ما شاء، لمن شاء. كنت أرعى إبل الخطاب بهذا الوادي، في مدرعة صوف، وكان فظاً، يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا قصرت، وقد أمسيت ليس بيني وبين الله أحد، ثم تمثل:
لا شيء ممـا ترى تبقى بشاشته    يبقى الإله ويُردى المـال والولـد
لم تُغن عن هرمز يوماً خـــزائنه    والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجــري الرياح له    والإنس والجـــن فيما بينها بردُ
أين الملــوك التي كانت نواهـلـها    من كل أوب إليها راكــــب يفـــد
حـوضاً هنالك، مورود بلا كـــذب    لابد من ورده يومـــاً كما وردوا
شبابه
     في شبابه مارس الفاروق ألواناً من رياضة البدن، من مصارعة وركوب الخيل، قال أسلم: رأيت عمر بن الخطاب يأخذ أذن الفرس بيد، ويأخذ بيد أذنه الأخرى، ثم ينزو على متن الفرس.
     قال أبو مسعود الأنصاري: كنا جلوساً في نادينا فأقبل رجل على فرسه يركضه حتى كاد يوطئنا فأرتعنا لذلك وقمنا، فإذا هو عمر بن الخطاب. قلنا: فمن بعدك يا أمير المؤمنين. قال: وما أنكرتم؟!؛ وجدت خفة فأخذت فرساً فركضته.
     وتذوق الشعر ورواه، وكان يهتم بتاريخ قومه وشؤونهم، وحرص على الحضور في  أسواق العرب الكبرى، (عكاظ) و(مجنة) و(ذي المجاز) واستفاد منها في التجارة ومعرفة تاريخ العرب وما حدث بين القبائل من وقائع ومفاخرات ومنافرات. قال ابن سعد: إن عمر كان يقضي بين العرب في خصوماتهم قبل الإسلام. لقد كان رضي الله عنه، رجلاً متعلماً، حكيماً، بليغاً، حصيفاً، قوياً، حليماً، شريفاً، قوي الحجة، واضح البيان، مما أهله لأن يكون سفيراً لقريش، ومفاخراً ومنافراً لها مع القبائل، قال ابن الجوزي: كانت السفارة إلى عمر بن الخطاب، إن وقعت حرب بين قريش وغيرهم بعثوه سفيراً، أو نافرهم منافر، أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافراً ومفاخراً.
     اشتغل عمر رضي الله عنه بالتجارة وربح منها ما جعله من أغنياء مكة واحتل مكانةً بارزة في المجتمع المكي الجاهلي، وأسهم بشكل فعَّال في أحداثه وكانت تحتكم إليه قريش في فض خصوماتها وهي مكانة ورثها عن أجداده فضلاً عن فطنته وذكائه.
بين الكفر والايمان
     كان سيدي عمر يدافع عن كل ما ألفته قريش من عادات وعبادات ونظم وكانت له طبيعة مخلصة تجعله يتفانى في الدفاع عما يؤمن به، وبهذه الطبيعة قاوم الإسلام في أول الدعوة، ولقد ظل يضرب جارية أسلمت، حتى عيت يداه، ووقع السوط من يده، ومر أبو بكر  فرآه يعذب الجارية، فاشتراها منه وأعتقها.
     عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اشدد الإسلام بعمر بن الخطاب.
     وعن إبن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام.
     وجاء في فوائد عبد العزيز الجرمي أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اشدد الدين بعمر، اللهم اشدد الدين بعمر، اللهم اشدد الدين بعمر.
     وقال سعيد إبن المسيب: كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم إذا رأى عمر أو أبا جهل قال: اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك.
إستعداد عمر الفطري للإسلام
     قالت أم عبد الله بنت حنتمة: لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة، أقبل عمر حتى وقف عليّ، وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟، قلت: نعم، والله لنخرجنّ في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجاً. فقال عمر: صحبكم الله. فلما جاء عامر بن ربيعة ذكرت له ما كان من عمر وقالت إنها رأيت منه رقة لم ترها قط. فقال عامر: كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟؛ قالت له: نعم؛ فقال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب.
     عندما رأى سيدي الفاروق نساء قريش يتركن بلدهن ويرحلن إلى بلد بعيد بسبب ما لقين منه ومن أمثاله رق قلبه، وعاتبه ضميره، فرثى لهن، وأسمعهن الكلمة الطيبة التي لم يكنّ يطمعن أن يسمعن منه مثلها. لقد تأثر سيدي الفاروق من هذا الموقف وشعر أن صدره قد أصبح ضيقاً حرجاً؛ فأي بلاء يعانيه أتباع هذا الدين الجديد، وهم على الرغم من ذلك صامدون! ما سر تلك القوة الخارقة؟، وشعر بالحزن وعصر قلبه الألم، وكانت هذه الحادثة أول شعاعة من نور الإيمان لامست قلبه.
     يحكي سيدي الفاروق رضي اللَّه عنه عن كيف وقع الإسلام في قلبه فيقول فيما أخرجه عنه احمد: خرجت أتعرض رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فإستفتح سورة (الحاقة) فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فقرأ: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ} قال: قلت: كاهن. قال: {وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}؛ إلى آخر السورة فوقع الإسلام في قلبي كل موقع.
إسلام الفاروق
وأعز الله الإسلام بعمر، الأحب إليه
     قررت قريش قتل النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب: أنا لها. فخرج في يوم شديد الحر، متوشحاً سيفه يريد رسول الله (ص) في دار الأرقم في أسفل الصفا فلقيه نُعَيم بن عبد الله النّحّام. فقال له: أين تريد يا عمر؟، قال: أريد هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله. قال له نُعَيم: لبئس الممشى مشيت يا عمر، ولقد والله غرّتك نفسك من نفسك، ففرّطت وأردت هلكة بني عديّ، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟؛ فتحاورا حتى علت أصواتهما، فقال عمر: إني لأظنك قد صبوت ولو أعلم ذلك لبدأت بك، فلما رأى النَّحَّام أنه غير منته قال: فإني أخبرك أن أهلك وأهل ختنك قد أسلموا وتركوك وما أنت عليه من ضلالتك. فلما سمع مقالته قال: وأيهم؟، قال: ختنك وإبن عمك وأختك. عصف الغضب بعمر فأسرع إلى دار أخته وزوجها وقرع عليهم الباب قالوا: من هذا؟، قال: إبن الخطاب. وكانوا يقرأون القرآن من صحيفة، فلما سمعوا صوت عمر قاموا وإختبئوا ونسوا الصحيفة مكانها، فلما دخل ورأته أخته عرفت الشر في وجهه، فخبأت الصحيفة تحت فخذها؛ قال: ما هذه الهينمة والصوت الخفي الذي سمعته عندكم؟؛ وكانوا يقرؤون سورة (طه)، فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما، فقال له سعيد: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟، فوثب عمر على ختنه سعيد وبطش بلحيته فتواثبا، وكان عمر قوياً شديداً، فضرب بسعيد الأرض ووطئه وطأ ثم جلس على صدره، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عدو الله، أتضربني على أن أوحّد الله؟، قال: نعم. قالت: ما كنت فاعلاً فأفعل، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لقد أسلمنا على رغم أنفك، فلما سمعها عمر ندم وقام عن صدر زوجها، فقعد ثم قال: أعطوني هذه الصحيفة التي عندكم فأقرأها، فقالت أخته: لا أفعل، قال: ويحك قد وقع في قلبي ما قلت، فأعطينيها أنظر إليها، وأعطيك من المواثيق أن لا أخونك حتى تحرزيها حيث شئت، قالت: إنك رجس و(لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) فقم فاغتسل أو توضأ. فخرج عمر ليغتسل. فخرج إليها خباب فقال: أتدفعين كتاب الله إلى عمر وهو كافر؟؛ قالت: نعم؛ إني أرجو أن يهدي الله أخي. فعاد خباب لداخل البيت. ورجع إلى أخته فدفعت إليه الصحيفة وكان فيها عدة سور فرأى فيها: {بسم الله الرحمن الرحيم}. فلما مرّ بالرحمن الرحيم ذعر، فألقى الصحيفة من يده، ثم رجع إلى نفسه فأخذها فإذا فيها: {سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم* له ما في السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير * هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم}...  فجعل كلما مر بإسم من أسماء الله ذعر. وكان في الصحيفة سورة (طه)؛ فقرأ: {طه(1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى(3) تَنزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأرض وَالسَّمَواتِ الْعُلاَ(4) الرحمن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى(5) لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى(6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى(7) اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى(8)}. فعظمت في صدره. فقال: من هذا فرّت قريش؟. ثم قرأ. فلما بلغ قوله تعالى: {إنّني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري(14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى(15) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها  واتبع هواه فتردى(16)}  قال: ينبغي لمن يقول هذا أن لا يُعبد معه غيره دلوني على محمد. فلما سمع خبّاب رضي الله عنه ذلك خرج من البيت وكان مختفياً وقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون قد سبقت فيك دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب. قال عمر: دلوني على مكان رسول الله، فلما عرفوا منه الصدق قالوا: هو في بيت الأرقم بن أبي الأرقم أسفل الصفا. فأخذ عمر سيفه فتوشّحه ثم عمد إلى رسول الله وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته وَجِلوا ولم يجترئ أحد منهم أن يفتح له، لما قد علموا من شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى حمزة رضي الله عنه وجَلَ القوم قال: مالكم؟، قالوا: عمر بن الخطاب قال: عمر بن الخطاب؟، افتحوا له، فإن يرد الله به خيراً يُسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله عليناً هيناً، ففتحوا، وأخذ حمزة ورجل آخر بعضديه حتى أدخلاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوه، ونهض إليه وأخذ بحجزته، وبجمع ردائه ثم جذبه جَذبة شديدة، وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب؟، والله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة، أسلم يا بن الخطاب؛ اللهم أهد قلبه. فقال له عمر: يا رسول الله جئتك أؤمن بالله وبرسوله وبما جئت به من عند الله فكبّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف أهل البيت من أصحاب الرسول أن عمر قد أسلم. وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم  صدر عمر بيده وقال: اللهم أخرج ما في صدر عمر من غل وداء، وأبدله إيمانا؛ قالها ثلاثا.
    تفرق أصحاب الرسول من مكانهم وقد عزّوا في أنفسهم حين أسلم عمر.
    وروى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: لما أسلم عمر لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجُمحي. فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كلّ ما رأيت وسمعت. فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، فوالله ما ردّ عليه كلمة حتى قام يجرّ رداءه، وتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش ألا إنَّ عمر بن الخطاب قد صبأ. وعمر يقول من خلفه: كذب ولكنني أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فثاروا إليه، فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عُتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلسها بالكفر فأظهر فيها الإيمان، وما زال يقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم وفتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا، أو تركناها لكم. فبينما هم كذلك إذ جاء رجل عليه حلة حرير وقميص مُوّشّى، قال: ما بالكم؟ قالوا: ابن الخطاب قد صبأ. قال: فمه؟، امرؤا اختار ديناً لنفسه، أتظنون أن بني عديّ يُسلمون إليكم صاحبهم، فكأنما كانوا ثوباً انكشف عنه. فقلت له بالمدينة: يا أبت من الرجل الذي ردّ عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل السهم.
     قال سيدي عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟" قال صلى الله عليه وسلم: "بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متّم وإن حييتم". قال: "ففيمَ الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لَتَخرجنّ". وخرج رسول الله بالمسلمين في صفَّيْن، عمر في  أحدهما، وحمزة في الآخر ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط وسمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق.
استبشار أهل السماء والأرض بإسلام الفاروق
     أسلم عمر رضي الله عنه في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة، وهو ابن ست وعشرين سنة، وكان إسلامه بعد إسلام حمزة رضي الله عنه بثلاثة أيام، وكان المسلمون يومئذ تسعة وثلاثين رجلاً وإحدى عشرة امرأة.
     عن أبن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد، لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.
     وأخرج  البزار  والحاكم  عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا، وأنزل الله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين}.
     عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من جهر بالإسلام عمر إبن الخطاب.
     عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.
      وأخرج ابن سعد عن صهيب قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه أظهر الإسلام ودعا إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقاً، وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.
هجرة الفاروق
     قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما علمت أن أحداً من المهاجرين هاجر إلا متخفياً، إلا عمر إبن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر عنزته، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام، فصلى متمكناً، ثم وقف على الحلق واحدة، واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي. قال عليُّ رضي الله عنه: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم، وأرشدهم ومضى لوجهه.

نلتقي إن شاء الله ونواصل القطف بإذن الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق